النصر والهزيمة فى أوكرانيا

النصر والهزيمة فى أوكرانيا

النصر والهزيمة فى أوكرانيا

 صوت الإمارات -

النصر والهزيمة فى أوكرانيا

بقلم - عبد المنعم سعيد

نُعلم طلابنا فى دراسة العلاقات الدولية أن هناك ضرورة لاستبعاد «الضجيج» و«الضوضاء» من عمليات التحليل الاستراتيجى حتى يتبين الخيط الأبيض من ذلك الأسود وقت ظهور فجر الحقيقة. المحللون العسكريون كثيرًا ما يحذرون من «ضباب» الحرب حتى لا تغشى العيون عن رؤية الواقع كما هو وليس كما دخل فيه من التباسات حقيقية أو مصنوعة. ورغم أن كل ذلك كان صحيحًا فى كل عصر، فإنه أكثر صحة فى زمننا، حيث ثورة الاتصالات غامرة بالأنباء التى تصير معلومات، والصور التى تحمل غيومًا فكرية، وأحيانًا تأتى المعرفة مختلطة بكثير من الغمر، الذى تتوه فيه الأحجام والأحكام. الحرب الأوكرانية جاءت وسط كل ذلك، وثبت فيها أن الإعلانات الروسية عن أن الحشود العسكرية محض رادع لإمكانية تواجد قوات حلف الأطلنطى على الأراضى الأوكرانية كانت فى النهاية كاذبة. كان تعريف القضية قائمًا على أن التعبئة الروسية تأتى فى إطار استمرار الحرب الباردة القديمة، التى دلل عليها وجود الحلف الذى وُجد لكى يحاصر الاتحاد السوفيتى سابقًا وروسيا التى باتت الوريث الشرعى للإمبراطورية الآفلة.

إعادة صياغة الماضى على ضوء الظروف الراهنة وسيلة مألوفة لتركيب القصة الحالية بحيث تبدأ بالردع، ثم يصير الهجوم الفعلى محض «عملية عسكرية خاصة» للإيحاء بأنها ليست غزوًا شاملًا جاء من ثلاثة محاور للاختراق والسيطرة على دولة كاملة. دارت الأمور بعد ذلك دورة كاملة من الغزو الشامل إلى التراجع عند أبواب العاصمة «كييف» إلى التمدد شرقًا وجنوبًا من قِبَل القوات الروسية لكى يغير من تعريف الحرب الجارية لكى تكون دفاعًا عن جماعات سياسية أوكرانية تسيطر على إقليم «الدونباس»، والتى أعطت نفسها حق تقرير المصير أولًا ثم بعد ذلك ثانيًا حق الانضمام إلى روسيا من خلال استفتاء مخجل انتهى كما كانت الاستفتاءات تنتهى فى روسيا السوفيتية، حيث النتيجة ٩٨٪ لصالح الاستقلال والضم. ومرة أخرى يأتى الهجوم الأوكرانى المضاد لكى يقلب الصورة رأسًا على عقب.

استيلاء القوات الأوكرانية على مدينة «خاركيف» فى الشمال الشرقى لإقليم الدونباس وتراجع القوات الروسية من مناطق عدة لم يحسم الحرب فى الطريق المضاد. صحيح، كشفت هزيمة أوكرانيا المستمرة للقوات الروسية فى الشرق عن مشاكل أساسية داخل الجيش الروسى، بما فى ذلك أوجه القصور والصراعات على السلطة فى هيكل قيادتها والثغرات فى جمع المعلومات الاستخبارية ومعالجتها. وعلى الرغم من أن إخفاقات روسيا المبكرة وصعوبة تجنيد عدد كافٍ من الجنود للجبهة كانت واضحة منذ شهور، فإن العملية الأخيرة تُظهر عمق الفوضى والركود فى القوات المسلحة الروسية. أظهرت عملية خاركيف قدرة الجيش الأوكرانى على الاستفادة من أوجه القصور هذه لاستعادة ليس فقط الأراضى، ولكن مراكز النقل وإعادة الإمداد ذات الأهمية الاستراتيجية للجبهة الشرقية للجيش الروسى. ولكن الحرب لم تنته بعد، ولا تزال روسيا تسيطر على حوالى 20% من أراضى أوكرانيا، ويستمر القتال فى جنوب أوكرانيا بالقرب من خيرسون وفى دونباس، حيث أرسلت روسيا جنودها الأكثر خبرة قبل هجوم خاركيف، وبدأت خطوات تعبئة ٣٠٠ ألف جندى جدد.

تعريف النصر والهزيمة فى هذه الظروف يبدو مستحيلًا، وكثرة المقالات والتحليلات فى الصحافة الغربية التى تتحدث عن الهزيمة الروسية والأزمة الجارية داخل الكرملين ربما تكون مبكرة للغاية، ولا تزال القدرات الأوكرانية بعيدة عن نقطة التوازن مع القدرات الروسية. ما حدث فعليًّا هو ارتفاع تكلفة الغزو الروسى لأوكرانيا عما كان مُقدَّرًا من قبل فى الأرواح والمُعَدات، وأكثر من ذلك الأسواق والعلاقات الطيبة مع دول أخرى. نتائج الحرب على الصعيد العالمى مدمرة لبناء «العولمة» وخطط التنمية فى غالبية دول العالم تعرضت لخطر وألم بالغ. لم تعد الحرب من أجل إحراز النصر أو تجنب الهزيمة، وإنما التكلفة الاقتصادية والأمنية التى تجعل النتيجة خسرانًا مبينًا لكل دول العالم تقريبًا، والتى لا يبدو أن أحدًا نجا منها. الخسارة التى لا تقل قيمة عن كل ذلك هى أن قضايا الكوكب الراهنة، التى عبرت عنها فيضانات باكستان وأعاصير فلوريدا الأمريكية، أصبحت رهينة حرب عبثية تدفع إلى الصفوف الأولى فى دول عديدة قوافل اليمين المتعصب، الذى يأخذ آلام الحرب إلى أعتاب حروب على الهجرة واللجوء. النتيجة عالم مهزوم فى آفاق تطلعاته إلى أن يكون القرن الواحد والعشرون شاهدًا على قدرة البشر على إنقاذ الكوكب والتمتع بحياة أكثر جمالًا وتسامحًا وسعادة، فهل يمكن لمصر المستضيفة COP27 مع دول مثل الهند والصين أن توقف الحرب التى لن يكون فيها لا منتصر ولا مهزوم؟.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النصر والهزيمة فى أوكرانيا النصر والهزيمة فى أوكرانيا



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 22:38 2026 الثلاثاء ,29 أيلول / سبتمبر

الصين تقترب من شحن السيارات الكهربائية في 5 دقائق

GMT 17:40 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تطرأ مسؤوليات ملحّة ومهمّة تسلّط الأضواء على مهارتك

GMT 18:53 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الثور السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:16 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 19:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 11:12 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

لا تكن لجوجاً في بعض الأمور

GMT 20:23 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل

GMT 19:17 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

ينعشك هذا اليوم ويجعلك مقبلاً على الحياة

GMT 12:22 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تعاني من ظروف مخيّبة للآمال

GMT 04:24 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل العطور المناسبة للعروس الرقيقة

GMT 17:25 2024 السبت ,20 كانون الثاني / يناير

أفضل المطاعم الرومانسية في مدينة جدة السعودية
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates