أزمة انبهار

أزمة انبهار

أزمة انبهار

 صوت الإمارات -

أزمة انبهار

بقلم : د. آمال موسى

يحتاج أي جيل إلى شيء من الانبهار حتى لو كان اقتباساً ليرنو به عالياً ويُشعل جمرة الحلم والطموح والأمل. فالانبهار محرك لبذل الجهد والتحمل والجهاد من أجل غد وعده بالسعادة أكثر صدقاً. ومن يتصفح التاريخ البعيد والقريب، سيرى أن الانبهار محرك النخب والأجيال، وهو الواقف وراء الإنجازات التاريخية. ذلك أن الإنجاز مرتبط بالانبهار. فمن انبهروا بآيديولوجيات معينة تمكنوا من تحقيق الجزء المضيء منها وعاشوا الارتباط الفكري ورحلته الشاقة.

إن الانبهار المقصود هو ذلك الذي يروق لنا ويصلح ليكون قضية نؤثث بها العمر ونجني المعنى أو نمنحه حياتنا من أجل تحقيق ذلك المعنى.

صحيح أن آيديولوجيات كثيرة تهاوت. بل إن الآيديولوجيا نفسها أُعلن خبر نعيها ولم يتبقَّ من الآيديولوجيات غير سلبياتها، بعد أن تعرَّت تماماً، وتلاشى ما كانت تحمله من انبهار شدَّ إليها أجيالاً وأجيالاً. أجيال آمنت بالاشتراكية، وأخرى ليبرالية، وأخرى اختارت الفكرة القومية، وزاوجت بينها وبين التوجه نحو المعسكر الاشتراكي زمن الحرب الباردة.

إنه انبهار من نوع خاص؛ الانبهار بفكر. الانبهار بقضية. الانبهار بقيم. الانبهار بدولة. الانبهار بشخصية فكرية أو سياسية...

ما هو ثابت أنه كان دائماً يوجد ما هو جدير بالانبهار.

لِنَقُل إنه حتى التسعينات من القرن الماضي كان يمكن الانبهار. وما بعد تاريخ حرب الخليج الأولى وإلى حد الساعة، فإن حالة الانبهار تتدحرج من أزمة إلى أخرى أكبر وصولاً إلى ما يشبه العدم.

بعد سقوط الآيديولوجيات التي نجحت في أوج ظهورها وقوتها في إنتاج نخب ذات نضالية عالية، ونشطت الحياة الفكرية والنقدية، وخلقت نوعاً من الصراع الآيديولوجي البناء، فإن الأجيال التالية حوَّلت وجهة الانبهار إلى مدارات خارج الآيديولوجيا التي بلغت منتهاها: أصبحنا أكثر انبهاراً بحقوق الإنسان وبالديمقراطية وبالحلم الأميركي والمدنية الأوروبية.

المشكلة اليوم أن مضامين الانبهار الجديدة في أزمة. كلها تلاشت دفعةً واحدةً، وفي اللحظات التاريخية ذاتها. كمٌّ هائل من الأحداث أطفأ المضامين الجديدة للانبهار، وأظهر حجم الزيف العالق بها.

المشكلة الكبرى أن هذا الانطفاء قتل فكرة الانبهار والرّهان على فكر وفكرة. والنتيجة اليوم واقعية تلبس قناع اليأس.

لو نفكك بشكل جيد انطفاء المضامين الجديدة الكبرى للانبهار: بالنسبة إلى حقوق الإنسان التي ناضلت من أجلها أجيال وأجيال، سواء منها الحقوق الأساسية أو الحقوق الفردية، فإنها على أرض الواقع خضعت للعبة المكيالين، وليست حقوقاً لكل الناس. فحقوق شعب هي مرآة لموقع دولته في الخريطة الدولية، وكلما كانت دولته قوية كانت حقوقه مضمونة، خلافاً لشعب دولته لا حول لها ولا قوة في نادي الدول الكبرى. ومن ثم، فإن روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يُعتدى عليها مرات ومرات، ويكفي استحضار مثال أهل غزة وصور الأطفال القتلى والنساء، والآخرين المفجوعين الخائفين، حتى ندرك أن العالم الذي لا يحمي أطفاله هو أبعد ما يكون عن حقوق الإنسان، فضلاً عن كونه عالماً يفتقر إلى الشهامة. والذي يزيد في انطفاء الانبهار بفكر حقوق الإنسان هو أن المؤسسات التي من المفروض أنها الضامنة له فشلت في ذلك، بما يعني أن المشكلة هيكلية، علاوة على أن مسألة حقوق الإنسان خاضعة لموازين القوى، وليست مبدئية كما كان يظن المنبهرون بها.

أما الديمقراطية، تلك الكلمة السحرية التي كنا نعتقد أن إرساءها يعني التخلص من كل ما ينغص الحريات والتعايش والانتقال إلى مدار المواطنة من خلال آلية دوران النخب، فقد اتضح أن الوصول إلى الحكم مرهون في أعتى الديمقراطيات بالقوى المساندة لمن يخدم مصالحها في الحكم. ولنا في البيت الأبيض مثالاً يمكن الاحتكام إليه. وأن تكون الديمقراطية في بلد الحلم الأميركي بهذه المشروطية، وفي غيرها أيضاً، فإن ذلك ينتهي بنا إلى تراجع الانبهار بفكرة الديمقراطية؛ حيث ليس فيها دائماً الحكم للشعب بقدر ما هي دائماً للفئة الأقوى والأكثر دعماً في الشعب.

لنأتِ إلى أوروبا المدنية المنفتحة القائمة على أسس الجمهوريات، إنها اليوم تقريباً في قبضة اليمين الرافض للمهاجرين، ومنذ سنوات أصبحت التأشيرة إلى أوروبا كشيء أقوى من الحلم العسير المنال. أوروبا التي قامت على أيادي الشعوب المستعمَرة في الماضي تغلق أراضيها في وجه شباب أفريقيا وهي تتفرج على جثثهم تتقاذفها الأمواج.

لا شيء يبعث على الانبهار بأكذوبة حقوق الإنسان، لا شيء يُحرض على الانبهار بالديمقراطية ذات الكواليس المفجعة، لا شيء ما زال يبهرنا بأوروبا. فهل انعدم الانبهار كلياً أم أن الانبهار في أزمة قد تكون عابرة؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أزمة انبهار أزمة انبهار



GMT 21:14 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

أميركا وإيران... رقصة «تانغو» على إيقاع صامت

GMT 21:13 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

مشروعان يتنازعان الشرق الأوسط

GMT 21:11 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

ليبيا في الأسر... والمواطنون ملوا المراوحة

GMT 21:11 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

الأمم المتحدة...هرج كثير ومرج قليل

GMT 21:10 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

اليمن مسألة لن تحل نفسها بنفسها

GMT 21:09 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

عندما تعجز المؤسسات الدولية عن منع الحروب!

GMT 21:08 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

... وحضرت غزة من دون تأشيرة دخول!

GMT 21:07 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

إيران والولايات المتحدة... مفاجأة أكتوبر؟

إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - صوت الإمارات
تجلت هوية الوطن في احتفالات اليوم الوطني السعودي الـ96 عبر تفاصيل أزياء راقية حملت ملامح الماضي التليد وروح الحاضر واكتست بآفاق المستقبل، حيث تحولت إطلالات المشاهير إلى مساحة إبداعية تعبر عن الانتماء بأسلوب معاصر يجمع بين جماليات العمارة النجدية وتفاصيل اللوك الحجازي وتراث المنطقة الوسطى ورمزية النخيل والتطريزات الأصيلة. وتألقت المهندسة المعمارية الداخلية نوف المنيف بفستان مستوحى من جماليات العمارة النجدية وتفاصيلها المميزة بتصميم يجمع بين الملامح التراثية والخطوط المعاصرة من توقيع المصممة خديجة السنيدي مؤسسة علامة IKH. واختارت المصممة هبة بنت حسان بن حسين فرّاش إطلالة حجازية تستحضر أناقة الماضي بروح حديثة وقدمت قراءة عصرية للإرث الحجازي من خلال النقشات والتطريزات المعبّرة عن ذاكرة المكان والانتماء في جلسة تصوير بعدØ...المزيد

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 11:21 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الدلو الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 18:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 17:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 20:47 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

صلاح عاشور يؤكد تأخر انتقاله إلى الزمالك لأربعة مواسم

GMT 08:19 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

المدرب هيرفي رينارد يباشر إصابة لاعبه أسامة طنان

GMT 19:39 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

4 مقاصد قد تلائم ميزانية سفرك إذا كنتِ من محبي المغامرة

GMT 15:10 2015 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

صدور "الليبرالية نشأتها وتحولاتها وأزمتها في مصر"

GMT 18:41 2017 الأربعاء ,16 آب / أغسطس

استعراض لمواصفات سيارة هيونداي i30 الجديدة

GMT 13:26 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

تطبيق نظام النجوم العالمي لتصنيف الخدمات في شرطة أبوظبي

GMT 23:18 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

النصر يجدد عقد إبراهيم عيسى حتى 2022

GMT 04:42 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الأهلي" يتلقي صدمة من نادي العين الإماراتي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates