آيديولوجيات تقتل نفسها

آيديولوجيات تقتل نفسها

آيديولوجيات تقتل نفسها

 صوت الإمارات -

آيديولوجيات تقتل نفسها

بقلم : عبد الرحمن شلقم

ضجيجٌ لا يتوقَّف تطلقُه وسائلُ الإعلام المختلفة حول ما يشهدُه العالمُ من حروبٍ تنشب في بقاع كثيرة من العالم، ولكلّ معركة محركاتها. الضخُّ الإخباريُّ اليوميّ، بما فيه من صور وأصوات تنقل صور القتل والدمار، وتقلل الاهتمام بدوافع ومحركات ما يعيشه العالمُ من صراع دموي. القرن العشرون كانَ زمن الآيديولوجيات الساخنة المتحركة، عالميةً كانت أو إقليميةً. التَّعصب القومي الشوفيني، ضربٌ من التعصب الآيديولوجي العنيف، النازية والفاشية في ألمانيا وإيطاليا كانتا طوفاناً آيديولوجياً استبدادياً دموياً. الشيوعية فرضت نفسها قوةً عالميةً بعد استيلائها على السلطة في موسكو، وتأسيس الاتحاد السوفياتي. الرأسمالية التي سادت في الغرب، بجناحيه الأميركي والأوروبي، لم تكن آيديولوجيةً عقائديةً، بل كانت منهجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، قام على الديمقراطية وسيادة القانون وتداول السلطة سلمياً.

المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الأولى، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، عاشت مرحلة من القلق الفكري والسياسي. تحرك الحلم والطموح نحو تحقيق الاستقلال وتكريس الهوية. ولّدت الأحلام شعارات وطنية وقومية ودينية. تأثر بعضها بالتيار الوطني الشوفيني في إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، وأخرى هامت في الحنين إلى إحياء الكيان الإسلامي، الذي تداعى بانهيار الإمبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. جماعة «الإخوان المسلمين» وتيار القومية العربية اختلطت فيهما الشعارات الشعبية التعبوية بقشرة آيديولوجية رقيقة. بعد الحرب العالمية الثانية، تحركت في العالم مياهٌ كثيرة. حصلت بلدانٌ عربية على استقلالها من الاستعمار الفرنسي والبريطاني، وقام كيانٌ جديدٌ لم يعرفه العرب من قبل، وهو الدولة. ما هو المحرك الذي سيدفع هذا الكيان الجديد فوق طريق ليست بها إشارات مرور معروفة؟ وما هو الوقود الذي سيصبُّ الحياة في المحرك الجديد؟ وُلدت أحزابٌ وطنية وأخرى عابرة للحدود، مثل حزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة القوميين العرب، وكذلك حركة الإسلام السياسي. الانقلابات العسكرية ضربت بعض الدول. القضية الفلسطينية في كثير من الحالات كانت الشعار الملغوم، التي ضرب بها الانقلابيون العسكريون شعوبهم، وأحياناً ضربوا به حتى القضية ذاتها.

عاشتِ المنطقةُ عقوداً من التّيه والارتباك والتناحر، وغابَ نتح العقل المؤسس للدولة، والقائد للتنمية والنهوض والحرية. تبدد غبار الأحزاب القومية التي تغنت بالوحدة العربية، واعتنقت بعضُ أجنحةِ تيار الإسلام السياسي الإرهابَ الدموي. مرحلة عاشتها المنطقة، كان الحملُ فيها خارجَ رحمِ عصرٍ إنساني جديد. الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية أصبحتِ الفنار الذي تهفو إليه تياراتٌ سياسية في بعض بلدان العالم الثالث، بخاصة تلك التي قادت حركات التحرر الوطني، وفي أوروبا فرض الاتحاد السوفياتي هيمنته السياسية والآيديولوجية على دول شرق أوروبا. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 تبخّرت الآيديولوجيا الشيوعية، وردمها الزمن في حفرة بلا قرار. التابوهات السياسية والفكرية هي شرنقة تنغلق فيها التكوينات الجماعية المنظمة داخل معتقدات تؤمن أنها مسكونة بالحقائق المطلقة، التي لا تقبل الاختلاف، وتغلق أبواب الاجتهاد وتعدد الآراء، وعندما تفقد القدرة على إقناع الآخرين سلمياً، يلجأ بعضها إلى العنف سواء بالسجن أو القتل.

الجماعات الإسلامية مثل «القاعدة» و«داعش» و«بوكو حرام» و«أنصار الله» وغيرها هي تعبير عن حالات شرنقة دموية، تشنق نفسها بحبال التَّطرف والعنف. اليوم لا توجد آيديولوجيا تحكم وتتحكم في دول إلا في أفغانستان وإيران. في هاتين الدولتين تهيمن حالة الشرنقة الفكرية والسياسية. أفغانستان حيث يعيش الناس في كيان منغلق، لا توجد به نافذة للضوء أو ثقب للتنفس. المرأة لا حقَّ لها في الحياة، والتعليم لا يعلم شيئاً، ويحوّل عقول النشء إلى صناديق تُملأ بحكايات نسيها العاقلون. عقيدة ترى أنَّ كل ما عداها هو تجسيد للضلال والباطل، والشعب ضحية آيديولوجيا لا ترى الدنيا، وتطفئ أنوار العلم والنهوض والتقدم. أفغانستان كانت يوماً روضة زاهية بالحياة، أقلعت مبكراً في فضاء التعليم والحرية، وتبوأت فيها المرأة المراكز السياسية والاجتماعية، وكانت قلعة عالية تقف فوقها المرأة الأفغانية في مسابقات ملكات جمال العالم، وتتحدث الدنيا عن ريادتها التي قلَّ مثيلها في العالم الذي يُسمى بالثالث. هوت هذه البلاد في حفر نيران الحروب الأهلية العرقية. لكن رغم ثقل الظلام الذي فُرض على هذا البلد، سوف تشرق شمس الحياة، ويفوح عطر الحرية. المأساة الدموية الرهيبة التي عاشتها كمبوديا، في سنوات بول بوت، التي كدَّس فيها أكواماً من جماجم الأبرياء، بُعثتِ البلاد ودلفت إلى رحاب الحرية والتقدم. الآيديولوجيات القاتلة تموت والشعوب تحيا.

إيران البلد العظيم، الذي امتلكَ أعمدة الحضارة منذ قديم الزمن، طالته شرنقة الآيديولوجيا المثيولوجية، وتدلَّتِ البلاد بين السماء والأرض، ودخلت في صراعات إقليمية ودولية، وغادرتها زرافات من طلائعها، وبددت ثرواتها في وهم صناعة المجال الحيوي الآيديولوجي التابع. إيران لها تركيب اجتماعي متعدد الأعراق، وتمتلك ثروات طائلة طبيعية وبشرية، ولها حدود برية مع سبع دول. امتلكت كل القدرات، التي تجعل منها نمراً اقتصادياً وسياسياً آسيوياً كبيراً، لكن التاريخ يعلمنا أنَّ العقل هو الرافعة التي تصنع النهوض والحرية والتقدم، أمَّا الآيديولوجيا فهي طيف خيال تزيله رياح الحياة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

آيديولوجيات تقتل نفسها آيديولوجيات تقتل نفسها



GMT 23:00 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

نواب يطلقون الرصاص على أقدامهم

GMT 22:58 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

جيش الحبيب بورقيبة... عدس وحليب

GMT 22:57 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

ورقة التَّحريض الطَّائفي الصَّفراء

GMT 22:56 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

العالم سفينةٌ معرَّضة للتهديد!

GMT 22:54 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

أغسطس 1990... ذاكرة لا يجوز أن تشيخ

GMT 22:53 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

إيران تودّ تجريد العراق من عمقه العربي

GMT 22:51 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

أي أمين عام يحتاج إليه العالم؟

GMT 22:50 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

لسنا فى الهوا سوا!

الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

بيروت - صوت الإمارات
يبدو أن الفستان الذهبي سيتصدر مشهد السهرات الصيفية لهذا الموسم، بعدما حرصت نخبة من النجمات وعاشقات الموضة على أداء إطلالات جذابة تعتمد هذا اللون المميز الذي يلائم الاحتفالات الفاخرة، ويعتبر من أكثر الخيارات رواجاً، حيث تُظهر جولة على إطلالاتهن تنوعاً لافتاً في القصات والخامات. فقد أطلت إليسا في إحدى حفلاتها بفستان سهرة طويل باللون الذهبي المعدني من توقيع نيكولا جبران، جاء بقصة ضيقة أبرزت القوام، وتميز بتصميم دون أكمام مع فتحة صدر على شكل قلب وحواف مزينة بتفاصيل مرصعة وأحجار لامعة يتدلى من منتصفها عنصر زخرفي انسيابي، بينما انسدل بخامة لامعة ذات ملمس شبكي معدني عكس الإضاءة بأناقة مع فتحة جانبية عالية عند الساق، ونسقت معه سواراً رقيقاً منح المظهر لمسة أنيقة دون مبالغة. من جانبها، ظهرت المطربة بوسي بفستان قصير بلون نيود مائ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:40 2026 السبت ,01 آب / أغسطس

الفستان الذهبي نجم سهرات الصيف الصاخبة

GMT 00:12 2014 الثلاثاء ,02 أيلول / سبتمبر

تصميمات لأحذية مختلفة في مجموعة "صولو" الجديدة

GMT 18:56 2018 الثلاثاء ,26 حزيران / يونيو

ايقظ حواسك مع عطر شذى بوس" BOSS THE SCENT "

GMT 03:12 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أرقام صادمة لأغلى 5 منازل حول العالم يمتلكها مشاهير

GMT 13:06 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

لبلبة تؤكّد عدم علمها عن مرض فاروق الفيشاوي

GMT 10:59 2018 الأربعاء ,26 أيلول / سبتمبر

الموارد البشرية" تعلن عن ترشح 713 مواطنًا لدى 117 شركة"

GMT 09:05 2017 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

ميكس البرتقال والفراولة بالفانيليا

GMT 23:14 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

طرق مميزة لعبارات تحفرانها على خاتم الزواج

GMT 12:06 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حلبات التزلّج في جبال الألب تأسر القلب والروح
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates