صناعة الزمن التالي

صناعة الزمن التالي

صناعة الزمن التالي

 صوت الإمارات -

صناعة الزمن التالي

بقلم : عبد الرحمن شلقم

لكل زمن أعضاؤه وحواسه وقدراته، وقفزاته وكبواته. زماننا الذي نعيشه اليوم، له خصوصية لم يشهدها ما سبقه من القرون البعيدة والقريبة. فيه عواصف من الطموح التي لا حدود لها، ويحمل في تحركه في الوقت ذاته، خوفاً يجتاح المليارات من البشر فوق الأرض. يبدع العلماء الأدوية التي أنهت أمراضاً كانت تلتهم الملايين. لم يعد للطاعون والجدري والحصباء، وغيرها من الأمراض الرهيبة وجود، إلا في جيوب قليلة بين بعض الشعوب المتخلفة. لكن في أماكن أخرى، يسهر علماء على اختراع أسلحة وتطويرها، لها قدرة تدميرية رهيبة، قادرة على قتل الآلاف، بل الملايين من البشر. التقنية التي لا تتوقف عن تطوير قدراتها الذاتية، تشعل ومضات الطموح الإنساني في المزيد من التقدم، وصناعة عالم خالٍ من الأمراض والفقر، وهي ذاتها التي تصنع حطب نيران حروب الإبادة والدمار غير المسبوقة.

لكل زمن صانعوه منذ الخليقة. العلماء والفلاسفة والساسة ورجال الدين. نعيش الآن زمناً يتحرك بسرعة، لا نكاد نستوعب ما تحقق من تغير فوق الأرض، حتى نجد أنفسنا أمام مستجدات فيها الكثير مما يبشر بزمن فيه ما يزف بشائر للناس في مجالات عدة، وأهمها القضاء على الأمراض التي تضرب الحياة. لكن في الوقت ذاته تتدفق المعلومات المرعبة، عن التقدم المخيف في اختراع أسلحة الدمار، التي لم يتخيلها أحد في سنوات قليلة عبرت.

هذا القرن الذي تمخر عبابه مراكب البشرية، له أعضاء وحواس وحركة، تختلف عن كل ما سبقه. عولمة متجددة، يُضاف إليها باستمرار ومن دون توقف، تكوينات جديدة. الحروب التي تشتعل في بقع صغيرة أو كبيرة من العالم، دخلت إلى كل بيت، بل إلى كل رأس. لم يشاهد البشر جميع الحروب السابقة، مباشرة على الهواء، أما الآن فكل المعارك تنقلها الفضائيات التلفزيونية، والهواتف النقالة مباشرة إلى الآفاق. الحربان العالميتان الأولى والثانية التي قُتل فيهما عشرات الملايين، وكذلك حرب أميركا في فيتنام، والحروب العربية - الإسرائيلية، وحرب بريطانيا والأرجنتين في جزر الفوكلاند، لم يشاهدها العالم. وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، جعلت من كل الحروب كبيرها وصغيرها، حروباً عالمية إنسانية. الهجرة النظامية وغير النظامية، تخلق عالماً جديداً بإنسان جديد. معادلة غريبة في زمننا هذا وهي، كلما زادت الثروة واتسعت دوائر الرفاهية، قلَّت معدلات الولادة، في حين تحافظ نسبة الولادات المرتفعة على مؤشرها في المجتمعات الفقيرة المتخلفة. المهاجرون يغامرون بحياتهم وهم يعبرون البحر الأبيض المتوسط، نحو الأنوار التي ترفرف كالطيور المهاجرة القادمة من أوروبا، وتشعل خيالهم الجائع، ويندفعون نحو الوجود الأسطوري، حيث العمل والطعام والصحة والأمن. بلدان المقصد الأوروبية. المحركات نفسها تدفع شباب أميركا اللاتينية للتدفق نحو الولايات المتحدة الأميركية. هذه الدول المستقبلة للمهاجرين غير النظاميين، ينطبق عليها المثل الليبي الذي يقول «لا نَبيك ولا نصبر عليك»، أي لا أريدك، ولكنني في حاجة إليك. هناك نقص متزايد في اليد العاملة، في أغلب الدول الأوروبية، وخاصة في قطاع الزراعة والأعمال اليدوية التي لا يُقبِل عليها شباب هذه الدول. في أغلب محطات الوقود، ونظافة الشوارع، والمطاعم والمقاهي، وحتى في أجهزة الشرطة، نرى الآلاف من الشباب الأفريقي والآسيوي، وقد صار لهم وجود كبير في العديد من دول أوروبا الغربية، وفي البرلمانات الأوروبية أصبح للمهاجرين وجود ظاهر. هؤلاء سيكون لهم تأثير كبير على تشكل النسيج الاجتماعي وحتى السياسي لهذه البلدان في المستقبل. عولمة متحركة لها ضلوع بشرية تفعل فعلها في صناعة الزمن التالي. الإرهاب بأقنعته المختلفة، أصبح الوباء المسلح الذي لا يغيب في بقع كثيرة من خريطة العالم. هذا الزمن المتحرك، له مصانع تصبّ ما تنتجه في رؤوس البسطاء الحائرين، الذين يبحثون عن تأكيد وتحقيق ذاتهم عبر الفعل العنيف، لتشكيل عالم آخر من إبداعهم.

هذا الزمن يتداخل فيه الطموح والخوف. العلم لا يتوقف عن الدفع بمخترعات جديدة، آخرها الذكاء الاصطناعي، وما سيقدمه للبشرية من إضافات للقضاء على الأمراض، والمساعدة على المزيد من الإنتاج، وتوفير الجهد البشري في الكثير من المجالات، لكن الخوف بل الرعب، صار صنواً لكل قادم جديد في مجال التقنية. ماذا لو تمكّن الإرهابيون من تصنيع الطائرات المسيّرة، والصواريخ الذكية، وغيرها من الأسلحة القادرة على القتل الجماعي، ونشر الخوف في أصقاع الدنيا؟

رغم كل ما يعيشه العالم من أحداث وتطورات تدعو إلى التوجس وحتى الخوف، رغم كل ذلك، تبقى أضواء الأمل تنير. الرباعي الذي صنع التحولات الكبيرة، وهم العلماء والمفكرون والساسة ورجال الدين، في كل أنحاء العالم، لهم القدرة على صناعة الزمن التالي، مثلما كان في كل حلقات الزمن بكل ما فيها، من نهوض وكبوات. زمن الأمل له صانعوه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صناعة الزمن التالي صناعة الزمن التالي



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

النجمات يستلهمن إطلالاتهن من ألوان البحر

القاهرة - صوت الإمارات
فرض اللون الأزرق نفسه كأحد أبرز اتجاهات الموضة خلال صيف 2026، مع توجه عدد من النجمات إلى اعتماده بدرجات وتصاميم متنوعة استوحت تفاصيلها من ألوان البحر والسماء، في إطلالات جمعت بين الأناقة والانتعاش بما يتناسب مع أجواء الموسم. وظهرت نور الغندور بفستان فيروزي ضيق تميز بتفاصيل الكسرات الناعمة وفتحة صدر على شكل حرف V، في إطلالة مستوحاة من ألوان المياه الصافية، مع تنسيق بسيط للأكسسوارات منح الفستان مساحة أكبر للتميز. كما اختارت نسرين طافش فستاناً أزرق بتصميم مجسم، تزين الجزء العلوي منه بتفاصيل مستوحاة من الأصداف البحرية، ما أضفى على إطلالتها طابعاً صيفياً يعكس أجواء الشواطئ والبحر. بدورها، اعتمدت إلهام علي إطلالة مختلفة من خلال بدلة أنيقة باللون التركوازي، مؤكدة حضور اللون الأزرق في الأزياء العملية والرسمية، إلى جانب الفساتين ا...المزيد

GMT 18:23 2026 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024
 صوت الإمارات - هيلاري كلينتون تعترف بخطأ ارتكبته عام 2024

GMT 23:58 2013 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

تايلور سويفت تتألق في "ماتش ميوزك فيديو"

GMT 06:26 2019 الأربعاء ,19 حزيران / يونيو

ابنتا توبا بويوكستون تخطفان الأنظار بجمالهما

GMT 07:28 2019 الخميس ,31 كانون الثاني / يناير

الفيحاء السعودي يرفض رحيل الكولومبي دانيلو أسبريلا

GMT 19:56 2018 السبت ,29 كانون الأول / ديسمبر

محمد صلاح يقود ليفربول في مواجهة صعبة أمام أرسنال السبت

GMT 22:49 2018 الأحد ,02 كانون الأول / ديسمبر

عباس يُبدي سعادته باقتراب "شباب الأهلي" من ثلاثي القمة

GMT 04:57 2018 السبت ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة "بيجو" تطرح موديل 508 الكومبي رسميًا

GMT 23:43 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

"إميليو بوتشي" تطرح مجموعتها من الملابس الجاهزة

GMT 22:18 2024 الثلاثاء ,13 شباط / فبراير

العطر الرومانسي الأنسب لشخصيتك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates