بقلم : محمد أمين
هذه قصة مهمة أحكيها لأقدم الدروس والعبر.. الحكمة تقول: لن يضيع حق وراءه مطالب.. وأثبتت هذه الواقعة التى أتعرض لها صحة ما يقال: إن الحقوق لا تضيع فى وجود أجهزة تعمل لصالح الحقيقة والمواطن فقط.. تخيل أن شرطة شيكاغو تكشف سر لغز وفاة طفلة بعد ٦٥ سنة.. لم يبحث أهلها عن حل اللغز ولكنهم تركوا الأمر للشرطة وهم مطمئنون.. استفادت الشرطة من تقنية «دى إن إيه» وعثرت على ضالتها، لتثبت أن القاتل كان واحداً من رجال الشرطة.. وكان بإمكانها أن تطرمخ على القاتل بعد أن ثبتت صلته بالشرطة، ولكنها أعلنت تحديد هوية قاتل الطفلة جلوريا بكل تجرد واحتراف!
كانت الطفلة جلوريا فى الثامنة من عمرها وقتلت عام ١٩٦٠.. أستطاع القاتل أن يهرب من جريمته ويراوغ الشرطة لأنه واحد منهم، امتدت التحقيقات ٦٦ عاماً وانتهت إلى أن المسؤول هو توماس مكاينيرنى، الذى عمل محققاً فى شرطة المدينة وتوفى عام ٢٠٠٤ بعد قرابة نصف قرن!.
أكدت التحقيقات اختفاء جلوريا فى ١٢ نوفمبر/تشرين الثانى ١٩٦٠، أثناء توجهها من منزل أسرتها إلى الكنيسة قبل العثور على جثتها فى خندق بمحمية غابات جنوب غربى المدينة، وقد قُتلت بطلقات نارية.. وشملت التحقيقات حينها استجواب نحو ١٣٠٠ شخص وإخضاع ١٢ آخرين لاختبارات كشف الكذب، دون التوصل إلى الجانى. وتوفى والدا الطفلة قبل معرفة نتيجة القضية!.
وكان مكاينيرنى قد التحق بشرطة شيكاغو عام ١٩٥٩، وتقاعد عام ١٩٨٧ برتبة محقق فى جرائم القتل، ثم عمل محققاً لدى مكاتب الدفاع الفيدرالية حتى عام ٢٠٠٤، وحصل خلال مسيرته على تكريمات كثيرة لتميزه فى عمله!.
وقد أعربت شرطة المدينة عن أسفها لعدم تقديمه للعدالة قبل وفاته، وقال شقيق الضحية إن تحديد هوية القاتل منح الأسرة قدراً من الراحة بعد عقود من الانتظار، رغم الحزن لوفاته دون محاكمة!.
المسألة تخص كرامة جهاز الشرطة فلم يقيد القضية ضد مجهول، وأعلن مكتب التحقيقات الفيدرالى إدراج الحمض النووى للمتهم فى قواعد بياناته، للتحقق من احتمال صلته بجرائم أخرى لم تكشف حتى الآن!.
وعلى أى حال، كان من الممكن أن يسندوا إليه تهماً أخرى، لم يجدوا لها حلاً، ويعتبرونها ضمن القضايا التى تأخذ «انقضاء الدعوى» لوفاة المتهم.. لكن المسألة غير هذا، وسمعة الأجهزة لا تحتمل العبث.. وهذا درس كبير على النزاهة واستخدام العلم وتبييض السمعة وترسيخ الثقة!.