90 دقيقة من الأمل والهدف الرابع

90 دقيقة من الأمل.. والهدف الرابع

90 دقيقة من الأمل.. والهدف الرابع

 صوت الإمارات -

90 دقيقة من الأمل والهدف الرابع

بقلم: فاطمة ناعوت

لا ينبغى الاستخفاف بكرة القدم؛ فهى واحدة من آخر اللغات المشتركة التى ما زالت قادرة على جمع الناس حول معنى. نختلف فى السياسة والفكر والأذواق، لكن حين يدخل الملعب «علمُ مصر»، يعلو الانتماء فوق كل التفاصيل والاختلافات.

لم تكن المواجهة بين مصر ونيوزيلندا مجرد مباراة كرة قدم؛ فالمباريات تنتهى مع صافرة الحكم، لكن بعضها يظل يمور داخل الناس آمادًا. تسعون دقيقة أخرجت ملايين المصريين من بيوتهم وهمومهم إلى مساحة أرحب من الحياة؛ مساحة تسمح بالترقب الممزوج بالأمل، والهتاف المجدول بالقلق، والشعور الواثق بأن الفرح ما زال ممكنًا.

فى تلك الليلة، لم تكن الكرة تتواثب فوق عشب الملعب، بل تخفق فى قلوب ملايين المصريين. من مقهى صغير فى قرية، إلى شرفة تطل على النيل، إلى عائلات التفّت حول الشاشات فى المدن المزدحمة، كان خيط خفى يربط الجميع: الرغبة فى انتزاع الفرح.

لا أفهم كثيرًا فى خطط اللعب والمدارس الكروية وتحليل التسلل والركنيات، لكننى أفهم جيدًا ذلك الشعور الإنسانى الماسّ الذى يتسلل إلى القلوب حين تفرح أمة بأكملها فى اللحظة نفسها. فى تلك الليلة، لم تكن مصر تشاهد مباراة، بل كانت تتأمل صورتها منعكسة على صفحة خضراء شاسعة، تتواثب فوقها أحلام الانتصار والرجاء.

وفاز المنتخب المصرى على نيوزيلندا بثلاثة أهداف مقابل هدف. هكذا تقول النتيجة المجردة. لكن الأرقام، على دقتها، تعجز عن رواية الحكاية كاملة. فما حدث لم يكن مجرد ثلاثة أهداف سكنت شباك المنافس، بل ثلاث لحظات شعر فيها المصريون بأنهم يقفون معًا فى صف واحد، وينظرون إلى الاتجاه نفسه.

خطر لى وأنا أتابع المباراة بيتُ «المتنبى»:

«ولم أرَ فى عيوب الناس شيئًا

كنقص القادرين على التمام».

فالأمم، مثل الأفراد، تحتاج بين الحين والآخر إلى من يذكّرها بقدرتها. تحتاج إلى لحظة ترى فيها تلألؤ أجمل ما لديها على وجه الحياة. وحين رأى «المتنبي» فى مصر ما جعله يقول: «ومصرُ الرجالُ وشتى الرجالُ»؛ لم يكن يتحدث عن مباراة كرة قدم، بل عن طاقة بشرية هائلة تختزنها هذه البلد، تظهر كلما أتيحت لها الفرصة.

ثلاثة أهداف سجلها اللاعبون فى شباك نيوزيلندا. أما الهدف الرابع، فقد سجله المصريون فى شباك العزلة التى تفرّق، وفى شباك القلق الذى يثقل الأيام، وفى شباك الاستهانة بالذات، وفى شباك ذلك الشعور القاسى بأن الفرح صار ترفًا. ذاك هو الهدف الذى لا يظهر فى الإحصاءات، ولا تحتسبه الفيفا، ولا يذكره المعلقون. لكنه، فى ظنى، كان أجمل أهداف المباراة.

لأنه الهدف الذى يهزم ذلك الصوت الخافت الذى يهمس للشعوب أحيانًا: «لا تستطيعون. لقد تأخرتم كثيرًا، وسبقكم الآخرون». لكن التاريخ الإنسانى ليس سوى سلسلة من الانتصارات الصغيرة على هذا الصوت الكئيب. وما من شعب نهض إلا بعدما قرر أن يتوقف عن الإصغاء إليه.

لذلك تبدو لحظات الانتصار الجماعى ضرورية للحياة مثل الأكسجين؛ إذ تذكرنا بأن الطريق لم يُغلق بعد، وأن الغد لم يكتب كلمته الأخيرة.

الأمم لا تُبنى بالمباريات وحدها، هذا صحيح. لكنها تُبنى بالثقة التى تولدها الإنجازات، كبيرة كانت أم صغيرة. فالنجاح مُعدٍ، مثل الفرح تمامًا. وحين يرى الطفل المصرى علم بلاده يرتفع، يشعر بالفخر والانتماء. وحين يرى الشاب منتخب بلاده يقاتل حتى النهاية، يتعلم أن الإصرار ليس كلمة جميلة فى كتب التنمية البشرية، بل سلوك عملى يصنع الفرح.

ولا يجوز أن يمر هذا الانتصار من دون تحية للكابتن «حسام حسن»، الذى تحمّل سهام النقد والشكوك، لكنه ظل واقفًا على خط التماس ممسكًا بخيط الحلم. لهذا طالب لاعبيه بين الشوطين بأن يعودوا إلى الملعب بعقلية «المنتصر»، فكان التحول الكبير فى الأداء والنتيجة.

وتحية للاعبين الذين لعبوا باسم بلد عريق، ثقيل الاسم، غزير المجد، اسمه: «مصر». «مصطفى زيكو» الذى وضع هدف التعادل، و«محمد صلاح» الذى قاد العودة التاريخية بهدف، و«محمود حسن تريزيجيه» الذى وضع بصمته فى اللحظة المناسبة فرسم هدف الأمان، و«مصطفى شوبير» الذى حرس مرمانا كأسد غيور على مملكته.

سُجلت الأهداف بأسماء أصحابها، لكن الفوز كُتب باسم فريق كامل؛ رجال تفرقت أدوارهم بين من أحرز، ومن صنع، ومن دافع، ومن وجّه، لينسجوا معًا تلك اللحظة النادرة التى تجعل شعبًا بأكمله يهتف فى الوقت نفسه. وهذا هو الهدّاف الرابع: الجمهور، الذى حمل وطنًا كاملًا إلى المدرجات.

غدًا تُطفأ الشاشات، ويعود الناس إلى مشاغلهم، لكن شيئًا سيبقى، لا يُقاس بالأهداف ولا بالنقاط: ذلك الإحساس الدافئ بأن الأمل عصيّ على الموات، وأن كرة صغيرة تدحرجت فوق عشب بعيد سجلت هدفًا تاريخيًا فى مرمى الاستهانة بالنفس، وأن الأمل، مثل الكرة، يغيّر اتجاهه فى لحظة ليجد طريقه إلى الشباك.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

90 دقيقة من الأمل والهدف الرابع 90 دقيقة من الأمل والهدف الرابع



GMT 01:36 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

رسّام الغموض

GMT 01:35 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

ملوخية ودِمعة ورز

GMT 01:34 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

الذكاء والخوف المبرر (1)

GMT 01:33 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا.. للخلف دُر

GMT 01:32 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

هيّا يا همّام... تقدّم للأمام

GMT 01:31 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

من يقدم طوق النجاة؟

GMT 01:30 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

تطعيم سرطان عنق الرحم.. حماية وأمان

GMT 01:29 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

«نجيب محفوظ».. تاجٌ ونصلٌ.. وخلود

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - صوت الإمارات
تستعيد الأوساط الموضة والجمال مجموعة من أبرز إطلالات النجمات وعاشقات الموضة بصيحة اللون الوردي الأحادية المشهورة بتوقيع دار الأزياء العالمية فالنتينو، وذلك بالتزامن مع فعاليات شهر "أكتوبر الوردي" المخصص للتوعية بمرض سرطان الثدي ودعم المحاربات حول العالم. وتعود هذه الصيحة البارزة التي أطلقتها الدار العالمية في سبتمبر عام 2022 تحت اسم "PP Pink" لتمنح النساء أفكاراً تنسيقية فخمة ومبتكرة تعتمد على المظهر المونوكروم باللون الوردي الفاقع. وتألقت النجمة ياسمين صبري بتلك الصيحة خلال إحدى المناسبات الخاصة بالموضة، حيث ارتدت فستاناً طويلاً باللون الزهري تميز بياقة ضيقة وأكمام قصيرة وقصة محددة عند الخصر يتخللها شق جانبي، وأكملت المظهر بحذاء وردي بكعب عالٍ وجوارب وحقيبة يد بنفس اللون. كما ظهرت عارضة الأزياء جيجي حديد بإطلال...المزيد

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 06:20 2019 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل 5 جزر في العالم لقضاء أجمل الأوقات

GMT 23:24 2018 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

انطلاق أعمال " قمة الثروة العربية 2018 " في دبي

GMT 22:06 2018 الإثنين ,06 آب / أغسطس

أمل شوقي تكشف عن تصميم مجموعتها الجديدة

GMT 19:31 2016 الجمعة ,15 إبريل / نيسان

مخاوف من موت آخر نسر ذهبي في إنجلترا في الربيع

GMT 09:21 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

مازيراتي توقف أغلب خطوط تجميع سياراتها لمدة شهر

GMT 13:34 2014 السبت ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

دراسة تثبت أن المياه تكونت في نفس توقيت تكون نفس الصخر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates