«بسمة موسى» المقاتلةُ بابتسامة

«بسمة موسى».. المقاتلةُ بابتسامة

«بسمة موسى».. المقاتلةُ بابتسامة

 صوت الإمارات -

«بسمة موسى» المقاتلةُ بابتسامة

فاطمة ناعوت
بقلم - فاطمة ناعوت

مشَتْ على زجاجِ الوطن حافيةً

فجرحتها شظايا الفُرقةِ والإقصاء.

طبيبةُ الفَمِ التى علَّمتنا

أن الفمَ المغلقَ شريكٌ فى الجريمة.

أصلحتْ عظامَ الوجوه المُهشَّمة

لكن يدَ الظلام كسَّرتْ ملامحَها فى الدفاتر

ومَن يُطبِّبُ وجهَ العدالة؟

رحلتْ

لكن ظِلَّها ما زال يمشى فى ممرَّاتِ الحقِّ الضيِّقة

يدقُّ الأبوابَ ويقرعُ النواقيسَ

حتى يتعلَّمَ الصخرُ أن يتنفس بحُريَّة ودون وصاية.

بالأمس، حضرنا حفل تأبين الدكتورة «بسمة موسى»، أستاذ جراحة الفم والوجه والفكين بكليَّة طب الأسنان، جامعة القاهرة. طبيبة لامعة، وناشطة مدنيَّة قسطت حياتَها بين العيادة وقاعة الدرس، وبين الدفاع الهادئ عن حريَّة الاعتقاد وحقوق المواطنة المتساوية، قبل أن تودِّعنا فى نوفمبر ٢٠٢٥ بعد رحلة طويلة من التحديات المريرة، والانتصارات الصغيرة فى وجه التمييز العَقَدى. لم تمُت الدكتورة «بسمة» رحمها الله بسبب المرض فقط، ولا بسبب سنوات العزلة التى قضتها اختيارًا بعيدًا عن الناس فى أواخر حياتها، بل كذلك لأنها عاشت تحت ضغط أعراف إقصائيَّة تُرهق المختلفَ حدَّ الإنهاك. رغم أن كتابَ الله واضحٌ حين يقول: «ولو شاءَ ربُّكَ لجعلَ النَّاسَ أُمَّةً واحدةً ولا يزالونَ مختلفين» (هود - ١١٨).

كانت طبيبة مميزة نذرت عِلمها وعُمرها لتخفيف آلام المرضى، ومعالجة وتقويم الوجوه، بينما ظلَّت يدُ التطرف تحاول كسر وجهها كل يوم لأنها «بهائيَّة». لم تطلب أى امتيازات، بل طلبت أبسط حقوق الإنسان التى يكفلها الدستورُ: أن تُكتب فى دولتها كما هى دون نفاق ولا تقيَّة. أن تُحيا بما تؤمن، وتُعامل كمواطنة لا كاستثناء، وأن تجد مقبرةً تضم جسدها بعد الرحيل.

بعد تخرجها بتفوق من كليَّة طب الأسنان بجامعة القاهرة، واجهتْ مصاعبَ وعراقيلَ أكاديميَّة غير مبررة فى مسار الماجستير والدكتوراه. شهد زملاؤها بمحاولات عرقلة مسيرتها الأكاديميَّة، لولا تدخل إدارة الجامعة لإنصافها. ورغم تلك الحياة الحافلة بالنضال ضد التهميش والظلم، لم تفقد عذوبة حضورها ولا ابتسامتَها الشهيرة التى يعرفها مرضاها وتلاميذُها وجميعُ من اقترب من عالمها. كانت تحاربُ «الظلم» بسلاح «الابتسامة»، لا بالهتاف والصراخ والشكوى، تمامًا مثلما عاش الفنان المصرى العالمى «حسين بيكار» يحارب الإقصاءَ بالريشة والعود.

«بيكار» الذى تربَّينا، نحن أبناءَ السبعينيَّات والثمانينيَّات، على ريشته وألوانه قبل أن نتعرَّف على اسمه أو اسم الوطن. سكنت رسوماتُه الجميلة صفحات كتب المدرسة كطيورٍ ملونة تكاد تصدحُ من قلب الورق، تُعلِّمُنا الرقَّة والخيال والرحمة. بفضل ريشته تعلَّمنا أن الوجه الإنسانى يمكن أن يكون حكاية، وأن الخط البسيط قادر على حمل قيمة الأخلاق. كبرنا على رسوماته وأدركنا أن الفنَّ ليس زينةً، بل تربيةً للضمير. «بيكار»: رسم الوجوه لنتعرف على وجه الإنسانية، و«بسمة»: رمَّمت العظامَ لتصون وجه الإنسانية. كلاهما صنع معجزته تحت ضغط الإقصاء وعذاب رفض الاختلاف الذى هو سُنَّة الله فى خلقه. وهى الدوامة نفسها التى يعيشها كل بهائى يحاول استخراج شهادة ميلاد أو بطاقة أو وثيقة زواج. منهم أستاذة جامعيَّة، رفيعة المقام، عالية الثقافة، تجاوزت السبعين من عمرها، وصارت جدَّة، ومع هذا مازالت تحمل لقب «آنسة!» فى بطاقتها الشخصية: الدكتورة «سوسن حسنى».

ووفق تقارير حقوقيَّة موثقة، عاش البهائيون كوابيسَ مرعبة عام ٢٠٠٩ فى قرية «الشارونيَّة» من إحراق بيوتهم وتهجيرهم قسرًا، ومازالوا يعانون كابوسًا مخيفًا حين لا يعرفون أين سيدفنون موتاهم لأن المقبرة الوحيدة المخصصة لهم فى القاهرة، وقد امتلأت، وغير مصرح لهم تشييدُ مقابرَ أخرى فى المحافظات؛ ما يضطرهم لنقل الجثامين مئات الكيلومترات لدفنها. هذه الجملة التى تُكتب فى ثوانٍ فى مقال كهذا، هى فى واقعها عذابٌ مقيم وضغطٌ نفسى يعيشه أشقاءٌ لنا فى الوطن، لهم، بنصِّ الدستور، كاملُ حقوق المواطنة، لكن الأعرافَ الإقصائيَّة وأبواقَ التطرف تضنُّ عليهم بحقوقهم البسيطة. هذا الإقصاء لا ينسجم مع دولة تتبنى مفهوم المواطنة والمدنيَّة. فالدينُ شأنٌ خاصٌّ بين الإنسان وربِّه، أمَّا المواطنة فهى الشأنُ العام والمظلة التى ينبغى أن تتسع لجميع أبناء الوطن.

نخطئ أخلاقيًّا حين نعتبر معاناة أشقائنا البهائيين «قضيَّة أقلية». فالمواطنون ليسوا «أقليَّةً» مهما قلَّ عددهم. إنما هى قضيَّة مصر مع نفسها. قضيَّة ترفع إصبع الاتهام فى وجوهنا وتتساءل: هل نحن وطن للمواطنين، أم نادٍ للمتشابهين؟ المجتمعاتُ التى لا تحترمُ التعدديَّة وحقَّ الاختلاف، محكومٌ عليها بالشقاق والتفسُّخ. ومصرُ فى «الجمهوريَّة الجديدة» ودَّعَتْ تلك الآفات المريضة التى عفا عليها الزمنُ.

رحم الله الدكتورة «بسمة موسى» التى لم تمُتْ، بل ماتت الورقةُ التى أرادت محوها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بسمة موسى» المقاتلةُ بابتسامة «بسمة موسى» المقاتلةُ بابتسامة



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

سحر التراث المغربي يزين إطلالات النجمات في "أسبوع القفطان" بمراكش

مراكش - صوت الإمارات
شهدت مدينة مراكش أجواءً استثنائية من الفخامة والأناقة خلال فعاليات “أسبوع القفطان المغربي” في دورته السادسة والعشرين، والذي احتفى بجمال القفطان المغربي باعتباره أحد أبرز رموز التراث والأزياء التقليدية الراقية. وحرصت العديد من النجمات والإعلاميات العربيات على الظهور بإطلالات مستوحاة من روح القفطان المغربي الأصيل، بتصاميم مزجت بين الحرفية التقليدية واللمسات العصرية. وتألقت الفنانة غادة عبدالرازق بقفطان باللون الأخضر الزمردي تميز بتطريزات ذهبية كثيفة مستوحاة من الطابع التراثي المغربي، مع حزام مطرز أبرز أناقة التصميم، واختارت تنسيق أقراط مرصعة بأحجار الزمرد مع تسريحة شعر بسيطة على شكل ذيل حصان مرتفع. كما ظهرت مريم الأبيض بإطلالة مشرقة بقفطان أصفر لافت، جمع بين القماش الانسيابي والتفاصيل المعدنية اللامعة، وزُين ب...المزيد

GMT 21:36 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تتخلص هذا اليوم من الأخطار المحدقة بك

GMT 19:10 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 17:05 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

هكذا يمكن استخدام المايونيز لحل مشاكل الشعر

GMT 07:33 2019 الأربعاء ,21 آب / أغسطس

نجمات أحدثن تغييرات جذرية بشعرهن في 2019

GMT 01:57 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

الآثار تكتشف مقبرة تحوى 40 مومياء بمنطقة تونة الجبل

GMT 07:59 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تؤكد اختلاف مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام

GMT 00:11 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

جوزيه مورينيو يدافع عن سخريته من جماهير "اليوفي "

GMT 16:38 2015 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الطقس في البحرين رطب عند الصباح ودافئ خلال النهار

GMT 20:55 2013 السبت ,29 حزيران / يونيو

دراسة أميركية تكشف ما يجري داخل أدمغة الأطفال

GMT 13:52 2015 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

نورهان سعيدة بـ"حب لا يموت" وتخشى المسلسلات الطويلة

GMT 04:26 2017 الأحد ,07 أيار / مايو

"العراق" تشيد بدور منظمة المرأة العربية

GMT 02:57 2017 الإثنين ,13 شباط / فبراير

مانشستر سيتي يحاول ضم مهاجم الريال باولو ديبالا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates