الذى أورثنى قلبًا عاطلًا عن البغضاء

الذى أورثنى قلبًا عاطلًا عن البغضاء

الذى أورثنى قلبًا عاطلًا عن البغضاء

 صوت الإمارات -

الذى أورثنى قلبًا عاطلًا عن البغضاء

بقلم: فاطمة ناعوت

كلما صدمنى ما بالعالم من تعصّب واستعلاء وظلم، أتساءل: أين تولد البغضاءُ، ومَن الذى يرعاها حتى تنمو وتنجب جميع ما سبق من أجنّة شوهاء؟ نحن، جميعَ البشر، صنيعةُ يدِ العلىّ الرحمن الذى وسِعت رحمتُه كلَّ شىء، فمَن الذى نزع الرحمة من القلوب واستبدل بها الغلاظة والفظاظة والتجبّر والاستقواء؟ أؤمن أن البغضاء لا تولد فجأةً فى الشوارع ولا فى ساحات الحروب ولا على طاولات المفاوضات السياسة. بل تولدُ غالبًا فى غرفة صغيرة فى بيت صغير، يتعلم فيه طفلٌ أن ينفر ممن لا يشبهه، ويسخر ممن يختلف عنه، ويخاف من كل ما يجهله. وفى المقابل، تولدُ الرحمةُ فى بيتٍ صغير يقول فيه أبٌ لابنته إن البشرَ جميعًا يستحقون الاحترام والحب والرحمة، دون شرط، ودون سبب، ودون قرابة، ودون مشابهة، ودون مصالح ودون انتظار المقابل.

هذا «عيد الأب»، الذى يوافقُ يوم الأحد الثالث من شهر يونيو من كل عام. عيدٌ خجول يأتى على استحياء، دون جلبة، ويمرُّ دون أن ينتبه أحدٌ. رغم أن الأب الصالح هو أحدُ أخطر الجسور التى تعبر عليها القيمُ من جيل إلى جيل، وأحد أهم حرّاس ذاكرة الضمير الإنسانى. فالأب ليس الرجل الذى يمنح أبناءه اسمَه فحسب، بل من يمنحهم البوصلة الأخلاقية. قد يترك لهم مالًا أو بيتًا أو أرضًا تكون لهم عونًا فى وعثاء الطريق، وقد يمنحهم تاريخًا أو مجدًا يختالون به، لكن أعظم ميراث يتركه أبٌ لأبنائه هو شتلة القيم النبيلة التى يغرسها الأبُ فى طمى طفولتهم، فتُزهر مع الأيام وتغدو جزءًا من نسيج أرواحهم، يغرسونها فى أبنائهم فيما بعد، فتستمرُ دورةُ النبالة والتحضر والإنسانية، من جيل إلى جيل.

لهذا دائمًا ما أتذكّر أبى، وأعتبره أحد نبلاء هذا العالم، لأنه علّمنى الدرس الأعظم الذى شكّل وجدانى ورسم خارطة حياتى كلها: «ألا أكره». لم يورثنى أبى أرضًا ولا عقارًا ولا ثرواتٍ. ورثتُ عنه «فكرة». لم يعلمنيها وعظًا وإرشادًا وأوامرَ وتلقينًا، بل سلوكًا وفعلا وأسلوب حياة. علمنى: «احترام الإنسان»، فى المطلق، دون قيد أو شرط أو نفعية. علَّمنى: «الانحيازَ إلى العدل» دون حسابات قبلية أو عقَدية، ودون خوف من بطش المتعصبين. علّمنى: «الانتصار للحق»، مهما خَفُتَ صوتُه وضعفت شوكته. علّمنى: «البحث عن الجمال» مهما عزَّ وشحّ. علّمنى: «الشك فى الأحكام الجاهزة» مهما تجبّر الدوجمائيون. علّمنى أن محبة خلق الله جميعًا شرطٌ من شروط حب خالق الخلق، وأن من امتلأ قلبُه بحب الله، ما تبقى فيه مساحة لبغضاء. علّمنى أن الرحمة ليست ضعفًا، بل منتهى القوة، وأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل منتهى الثراء البشرى.

كثيرون فقدوا آباءهم مبكرًا، ومع ذلك ما زالوا يستشيرونهم كل يوم دون أن يشعروا. فى المواقف الصعبة، يقفون أمام مرايا خيالهم، ويسألون أنفسهم: ماذا كان أبى سيفعل لو كان هنا؟ وحين يختارون الصدق بدل الكذب، أو الرحمة بدل القسوة، والعدل بدل الظلم، والجسارة بدل الخوف، يكون الأبُ الراحلُ قد أجاب بالفعل، بل يكون حيًّا عصيًّا على الموت، فى مقابل موت آباء وهم مازالوا أحياء، لأنهم أخفقوا فى رسم ضمائر أبنائهم بألوان النبالة. فالأب العظيم هو القادر على صوغ أبناء أحرار يختارون الصعاب القيّمة، مهما دفعوا من أثمان، ولا يستوحشون طريق الخير لقلّة سالكيه.

حين أتأمل العالم من حولى، فأرى بشرًا يرفعون رايات الكراهية باعتبارها فضيلة، ويتعاملون مع القسوة كأنها علامة قوة وسلطان، ويلفظون الرحمة باعتبارها ضعفًا وخوارًا، أتساءلُ: متى تعلموا ذلك؟ وكيف سمح لهم آباؤهم بكل هذا التشوّه الروحى والتصدّع الخلقى والتخبط المعرفى؟ ودون تفكير أشيرُ بإصبع الاتهام إلى الأب الذى أخفق فى حمل التبعة، وأفسد الميراث الذى تركه لأبنائه.

لم يجلس أبى يومًا ليحدثنى عن فضائل التسامح، ومكرمة التراحم. ولم يلق علىّ محاضرات عن قبول الآخر، ولم يرفع إصبعه محذرًا من التعصب. لكنه كان يعيش ما يؤمن به، ببساطة، فكانت حياته هى الدرس. كان يدعو بالرحمة لجميع الموتى دون تمييز، وبالشفاء لجميع مرضى بنى الإنسان. فى صباح يوم الجمعة كان يخرج مع جارنا «أنكل وسيم». يذهبُ أبى إلى المسجد ليؤذن بصوته الجميل ويؤم المصلّين، ويذهب جارُنا إلى الكنيسة. ثم يلتقيان، بعدما يؤدى كلٌّ شعائرَه، على مائدة الطعام يقتسمان الخبزَ والملح. يحترم كلٌّ عقيدةَ صاحبه، ويُجلُّ إنسانيةَ جاره. كلٌّ منهما مطمئن إلى إيمانه بالقدر الذى يسمح له باحترام إيمان غيره. ذاك هو جوهرُ الإيمان بالله، وجوهر الوجود الإنسانى القويم، والسمو الأخلاقى. فى «عيد الأب»، أدعو لأبى بحُسن المقام، ولجميع أساتذتى الذين علّمونى أن ثِقَلَ الإنسان بقدر ما منح الآخرين من محبة وعطاء. كل عام وكل أب نبيل حىّ لا يموت.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الذى أورثنى قلبًا عاطلًا عن البغضاء الذى أورثنى قلبًا عاطلًا عن البغضاء



GMT 01:36 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

رسّام الغموض

GMT 01:35 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

ملوخية ودِمعة ورز

GMT 01:34 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

الذكاء والخوف المبرر (1)

GMT 01:33 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا.. للخلف دُر

GMT 01:32 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

هيّا يا همّام... تقدّم للأمام

GMT 01:31 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

من يقدم طوق النجاة؟

GMT 01:30 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

تطعيم سرطان عنق الرحم.. حماية وأمان

GMT 01:29 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

«نجيب محفوظ».. تاجٌ ونصلٌ.. وخلود

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - صوت الإمارات
تستعيد الأوساط الموضة والجمال مجموعة من أبرز إطلالات النجمات وعاشقات الموضة بصيحة اللون الوردي الأحادية المشهورة بتوقيع دار الأزياء العالمية فالنتينو، وذلك بالتزامن مع فعاليات شهر "أكتوبر الوردي" المخصص للتوعية بمرض سرطان الثدي ودعم المحاربات حول العالم. وتعود هذه الصيحة البارزة التي أطلقتها الدار العالمية في سبتمبر عام 2022 تحت اسم "PP Pink" لتمنح النساء أفكاراً تنسيقية فخمة ومبتكرة تعتمد على المظهر المونوكروم باللون الوردي الفاقع. وتألقت النجمة ياسمين صبري بتلك الصيحة خلال إحدى المناسبات الخاصة بالموضة، حيث ارتدت فستاناً طويلاً باللون الزهري تميز بياقة ضيقة وأكمام قصيرة وقصة محددة عند الخصر يتخللها شق جانبي، وأكملت المظهر بحذاء وردي بكعب عالٍ وجوارب وحقيبة يد بنفس اللون. كما ظهرت عارضة الأزياء جيجي حديد بإطلال...المزيد

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 06:20 2019 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل 5 جزر في العالم لقضاء أجمل الأوقات

GMT 23:24 2018 الجمعة ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

انطلاق أعمال " قمة الثروة العربية 2018 " في دبي

GMT 22:06 2018 الإثنين ,06 آب / أغسطس

أمل شوقي تكشف عن تصميم مجموعتها الجديدة

GMT 19:31 2016 الجمعة ,15 إبريل / نيسان

مخاوف من موت آخر نسر ذهبي في إنجلترا في الربيع

GMT 09:21 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

مازيراتي توقف أغلب خطوط تجميع سياراتها لمدة شهر

GMT 13:34 2014 السبت ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

دراسة تثبت أن المياه تكونت في نفس توقيت تكون نفس الصخر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates