بقلم: فاطمة ناعوت
استكمالا لمقالى السابق: «الشارع مقياسُ الحضارة، الذى سردتُ فيه حكايا، وأرجأت بعضَها، أقصُّ عليكم اليوم حكاية (الورقة الأولى)».
فى ثلاثينيات القرن الماضى، كان هناك شخصٌ يمشى فى أحد شوارع القاهرة، وسقطت منه ورقة. التقطها رجلٌ كان يسيرُ خلفه، وقال له: «يا أستاذ، وقعت منك حاجة»، التفت إليه الشخصُ وقال بلا اكتراث: «لأ، أنا رميتها» فاندهش الرجلُ وقال: «ليه؟!»، فاندهش الشخصُ وهتف بحدّة: «رميتها عشان مش عاوزها. قمامة يعنى! إنت مال حضرتك؟» وهمَّ بالانصراف غاضبًا من سماجة الرجل اللحوح. لكن اللحوحَ استمر فى لجاجته وصرخ بغضب: «يعنى إيه قمامة؟! الشارع مش صندوق قمامة حضرتك!» تشاجرا. ثم مضى كلٌّ فى طريق، وظلّت الورقة على الأرض لا يعبأ بها أحدٌ.
فى اليوم التالى مرّ الشخصُ فى الشارع نفسه، وضبطه الرجلُ يُلقى علبة سجائر فارغة، فأسرع إليه وأكمل مشاجرة الأمس: «يا أستاذ ميصحش كده، ماترميش قمامتك فى الشارع» ردَّ الشخصُ بنفاد صبر: «يا افندى أنت مالك ومالى؟ عيب تتدخل فى شؤونى! أمرك عجيب والله!»، وتركه ومضى. فى اليوم الثالث، ألقى الشخصُ شيئًا، وبحث بعينيه عن غريمه، فوجده ينظرُ إليه من بعيد والشررُ يتطاير من عينيه، وكأنه يُكمل الشجارَ صمتًا. ابتسم الشخصُ ثم قهقه قهقهةَ المنتصر، ومضى. فى اليوم الرابع التقى الغريمان، ألقى الأول مُخلّفةً، ونظر إليه الثانى، ولم يبدُ اهتمامًا. فنحن لا نهتم بما يجرى يوميًّا، سواء كان جميلا كإشراق الشمس من غبش الضُّحى، أو خروج زهرة من برعمها، أو رقرقة صفحة النيل تحت نسمات الهوى. أو كان قبيحًا، كشابٍّ يسخر من عجوز تعبرُ الطريق على مهلٍ، أو ذكرٍ يتحرّش بفتاة. ما تعتاده عيونُنا يمرُّ دون سؤال.
فى اليوم الخامس، ألقى الشخصُ شيئًا، وابتسم. فردَّ له الرجلُ ابتسامتَه، وهو يضربُ كفًّا بكف. فى اليوم التالى ألقى الرجلُ الثانى ورقةً على الأرض، وضبطه الشخصُ. التقت عيونُ الخصمين، وفجأةً انفجرا فى الضحك، ومضى كلٌّ إلى حال سبيله، وقد اطمأن الشخصُ أن رسالته وصلت مبتغاها، وانطلقت كوادرُ جديدةٌ من أتباعه ينشرونها فى الأرض. أما الورقة المنسية، فلم تعد تعانى الوحدةَ والهجر. فقد لحقتها ورقةٌ أخرى وأوراق وعلبٌ وفوارغُ وأكياسٌ حٌبلى بالقمامة، حتى اختفت تحت أكوامٍ وهضابٍ وتلال صلدة زلقة، يرمقُها الناسُ بأطراف عيونهم دون اهتمام، وهم يغذوّنها بالمزيد حتى تعلو وتتشاهق، وتصير أحدَ المعالم المميزة لمدينة جميلة، كانت من أنظف وأجمل مدن العالم.
فى الحكاية السابقة ذكرتُ أمرين. كذبتُ فى واحد، وصدقتُ فى الثانى. واقعة الشخصين والورقة الأولى، كانت من نسج خيالى، لكننى أكاد أراها رأى العين. فمثلما بدأ الهرمُ الأكبرُ العظيمُ بحجر أول، بدأ جبلُ القمامة بورقة صغيرة مُلقاة. أما حكاية المدينة الجميلة النظيفة، فهى حقيقة تاريخية موثّقة. ففى عام 1925، نالت القاهرة وسامَ: «أجمل وأنظف مدينة فى حوض البحر المتوسط». وكانت نظافة شوارع قاهرتنا وانتظامها جزءًا من المعايير العالمية التى أهلتها لاستحقاق ذلك الوسام الرفيع. كانت شوارعُنا تُغسل بالماء والصابون، والأرصفة خالية من الإشغالات، تحتلها أكشاكُ الموسيقى ومحالُ الزهور والمكتبات، وكان الشجرُ يُغسل ويُروى، ولا تُجزُّ جذورُه، أو تُنحرُ سيقانُه بمعاول القُساة.
لم يعد أحدٌ يعبأ بالورقة الأولى ولا يتذكّر: أين دُفنت؟ ولا بالورقة الأخيرة: مَن ألقاها؟ لم يعد أحدٌ يعبأ أصلا بالسؤال، ولا بالشِّجار غيرةً وغضبًا من تلوّث الطرقات والعيون والأنوف والصدور. صار الناس يُلقون مخلفاتهم وهم يتسامرون ويضحكون ويمرحون. ثم يفترقون بعدما يتواعدون للقاء اليوم التالى؛ ليُكملوا مشوار الحياة والإلقاء. ولم يعد للورقة الأولى أملٌ فى أن يرفعها أحدٌ لكى ترى النور وتتنفس، ثم تذهب إلى حيث ينبغى.
تلك واحدة من أخطر قدراتنا البشرية وأكثرها غموضًا وعجبًا: قدرتنا على الاعتياد. نعتاد الضوضاء، فلا نعود نسمعها. نعتاد الفوضى، فلا تعود تستفزنا. نعتاد القبحَ، حتى يغدو جزءًا أصيلا من المشهد. ونعتاد الخطأ، فيصيرَ الاعتراضُ عليه هو الخطأ. ويغدو الخطأ عادةً، وتصبحُ العادةُ سلوكًا، ويضحى السلوكُ ثقافة، وتُمسى الثقافةُ عُرفًا صخريًّا صامدًا لا يُهدم. وإذا حدث وَوُوُجِه القبحُ باعتراضٍ خجول أو بقانونٍ رادع، تُحلُّ الأزمةُ بكلمة: «معلش»!
والأخطر والأعجبُ من اعتياد القبح، اعتيادُ الجمال. نعتادُ حُسن الزهور فلا تعودُ تبهجنا، نعتاد ضياءَ القمر فلا يستفز فينا القصيدة، نعتادُ عذوبةَ صدح الطيور فلا تعود تُطربنا، نعتادُ شعاع الفجر الأول، فلا نصحو من نومنا لنشاهده ونسبّح الله ونشكره على كل هذا الجمال.
مقام السؤال:
حين ترى ورقة مُلقاةً فى الطريق اليوم، هل بوسعك رسم شجرة النسب، لتعرف مدى قرابتها بجدّتها الورقة الأولى التى أُلقيت قبل مائة عام؟