الحضاراتُ لم تُبنَ بالحجر أولًا، بل بإنسانٍ عرف كيف يقرأ الحجر. ولم تُشَدَّ بالحديد، بل بالعقول التى عرفت كيف تحاورُ الحديدَ وتصهره وتُطوّعه. العلم هو صانع الحضارات، وكل عقلٍ عظيم مضى فى طريق العلم، كان وراءه معلمٌ ساند بدايته. أستاذٌ حمل مصباحًا صغيرًا، وقال لتلميذه: من هنا يبدأ الطريق.
لهذا، كلما رأيتُ مشهدًا يُنتقص فيه من قيمة معلم، شعرت أن الإهانة لا تقع على إنسان، بل على المستقبل والماضى: الماضى الذى صنَعَنا، والمستقبل الذى نرجوه. فالمعلمُ الحقُّ ليس موظفًا يؤدى ساعات عمل ثم يغادر، وإنما هو الصانع الأول للإنسان. وكل أمة تعرف قيمة الإنسان تعرف، بالضرورة، قيمة معلمه.
فى ضجيج الأخبار الأخيرة، انشغل الناس بتفاصيل الأشخاص: نبرة المسؤول، هيئة المدير، كلمات المديرة. لكن القضية أكبر من الأشخاص. القضية هى: ماذا بقِيَ من الهيبة التى كانت تسبق المعلم أينما سار؟ وماذا بقِيَ من الإجلال الذى كانت المجتمعات تعتبره دَينًا فى أعناقها لمن فتح لأولادها أبواب المعرفة؟
لهذا لم يكن غريبًا أن يقول «الإسكندر الأكبر»: «أنا مَدين لأبى بالحياة، ومَدين لأرسطو بالحياة الكريمة». لقد فهم الفاتح العظيم أن الرجل الذى علمه كيف يفكرُ، أعظم أثرًا من الرجل الذى أنجبه. فالآباء يمنحون أبناءهم الميلاد، أما المعلمون فيمنحونهم المعنى.
عندما نتأمل قصة «هيلين كيلر»، تلك الطفلة التى عاشت حبيسة ظلام الصمت والعمى، لا نستطيع أن نذكر اسمها دون أن نقف احترامًا لمعلمتها «آن سوليفان». لم تُعلّمها الكلمات، بل أعادتها إلى العالم، وأعادت العالمَ إليها. كانت يد المعلمة هى الجسر الذى عبرت عليه فتاةٌ من العزلة إلى الإنسانية. ولولا تلك المعلمة، لما عرف العالم اسم «هيلين كيلر»، وما صارت أسطورة نتحاكى بها على مدى الأزمان.
وبلغ «الإمام الشافعي» مبلغًا أنيقًا فى توقير معلّمه «الإمام مالك»، فقال: «كنتُ أُصفِّحُ الورقة بين يدى مالك صفحًا رفيقًا؛ هيبةً له، لئلا يسمع وقعها». تصوّروا جلال المشهد؛ فى إخفات همس الصفحة حين تُطوى، لئلا يقطع تركيز أستاذه!
تلك الأمثلة النبيلة ليست استثناءً فى التاريخ، بل هى القاعدة. المعلمون لا يتركون كنوزًا، بل يتركون جواهرَ بشرية. «سقراط» لم يترك كتابًا، لكنه ترك أفلاطون. و«أفلاطون» ترك «أرسطو». و«أرسطو» صنع عقل «الإسكندر». سلسالٌ كاملٌ من الإرث الحضارى لم يصنعه ملوك، بل معلّمون. كأن التاريخ يخبرنا بأن الأفكار لا تُورث بالدم والميلاد، بل بالتعليم.
الأمم الحديثة، لم تصل إلى ما وصلت إليه لأنها بنت المصانع قبل المدارس، بل لأنها فهمت أن المدرسة هى المصنع الحقيقى. المهندس لا يولد مهندسًا، والطبيب لا يولد طبيبًا، والقاضى لا يولد قاضيًا، ولا رئيس الدولة يولد رئيسًا. جميعهم مرّوا، فى صباح بعيد، أمام سبورة يقف عندها معلم، ربما لم يعرف أحدٌ اسمَه بعد ذلك، لكنه ترك بصمته فى عقولهم.
اليابان من أكثر الدول التى جعلت توقير المعلم سياسة دولة، لا شعارات تُغنّى. فبعد الحرب العالمية الثانية، كان إصلاح التعليم فى صدارة مشروعها الوطنى، إيمانًا بأن إعادة بناء الإنسان تسبق بناء العمران. والالتحاق بمهنة التعليم هناك ليس يسيرًا، إذ يخضع المعلمون لإعداد علمى وتربوى صارم، ويحظون بمكانة اجتماعية رفيعة. وفى فنلندا لا تصبح معلمًا إلا بعد منافسة شديدة ودراسة جامعية متقدمة. وفى كوريا الجنوبية لم تكن المعجزة الاقتصادية وليدة المصانع، بل وليدة الفصول الدراسية، إذ وضعت الدولة التعليم فى صدارة مشروعها الوطنى.
لهذا لا ينبغى النظر إلى راتب المعلم كبند إنفاق، بل كاستثمار فى الأمن القومى، والاقتصاد، والثقافة، والأهم: فى الأخلاق. فكل جنيه يُنفق على تعليم جيد يعود أضعافًا فى صورة إنتاج، وعدالة، وابتكار، واستقرار. أما التقصير فى حق المعلم، فلا يدفع ثمنه المعلم، بل يدفعه المستقبل.
المجتمعات الراقية تقيس قيمة الإنسان بما يمنح. فإذا كان الطبيب يمنح الصحة، والقاضى يمنح العدالة، والمهندس يمنح العمران، فإن المعلم هو الذى منحهم جميعًا القدرة على أن يصبحوا أطباء وقضاة ومهندسين.
من هنا، فإن احترام المعلم وتوقيره ليس نبلا، ولا تقليدًا اجتماعيًا متوارثًا، بل هو إعلان حضارى عن ترتيب القيم داخل المجتمع. حين يعلو مقامُ المعلم، تعلو قيمةُ العلم. وحين يعلو العلم، يعلو الإنسان فيعلو الوطن.
قد نختلف حول وزير، أو محافظ، أو مسؤول، أو واقعة بعينها، لكن لا ينبغى أن نختلف حول «مكانة المعلم». فالأمم لا تنهض إلا إذا ظلَّ المعلم واقفًا شامخًا. فإذا انحنى المعلمُ، انكسرت المرايا، وتشظّى المستقبل. فى البدء لم يكن السيف، ولا العرش، ولا الثروة. فى البدء، كان المعلم.
مقام السؤال:
إذا كان كلُّ عظيمٍ فى هذا الوطن قد بدأ تلميذًا، فكيف لا نُعظِّمُ مقامَ من صنع العظماء؟.