فى حياة كلٍّ منّا، يومٌ أو شهر، حين يحلُّ يمشى الإنسانُ على أطراف أصابعه، كمن يعبر غرفةً ينام فيها طفل، يخشى أن يوقظه. والخوفُ الأعظمُ، ألا يستيقظ. فالشهور والأيام والسنواتُ نقاطٌ على خط الزمن، يمرُّ بها العمرُ، مثلما يمرّ القطارُ بمحطاتٍ صغيرة؛ نلوّح لها من نافذة الحياة، ثم ننساها. إلا شهرًا واحدًا، لا يمضى بسهولة كأقرانه، بل يجبرُ القطارَ على التوقف، ثم يجول بين نوافذه، يطلُّ برأسه ويتفحص المسافرين، مثل مفتش السكة الحديد، بحثًا عن صاحب هذا الشهر. يبتسمُ له ويقدّمُ زهرة، بيضاء أو سوداء. هكذا سبتمبر بالنسبة لى.
فى سبتمبر ميلادٌ وفَقد، شموعُ ودموع، فرحٌ وحَزَن، أمومة ويُتم. إذا كانت الشهورُ تختارُ أصحابها، فقد اختار سبتمبر أمى، ثم اختارنى بعدها، ليؤكد الاختيار. منحها الميلاد، فأكد وجودها وثبّت جذورى، ثم جاء بى للحياة، ثم استردّها فى أحد أيامه. وكأنه يقول إن العطايا الكبرى تأتى دائمًا بإيصال استلام مؤجل. ميلاد أمى فى سبتمبر، وميلادى فى سبتمبر، ورحيل أمى فى سبتمبر، ولعلّى ألتقيها فى سبتمبر.
لهذا لا أتعامل مع سبتمبر بوصفه شهرًا مميزًا فى التقويم. بل باعتباره غرفة قديمة فى بيت الذاكرة، كلما فتحت بابها وجدت أمى لم تغادرها أبدًا. منذ رحيل أمى، كلما كبرتُ سنةً فى سبتمبر من كل عام، أتراجع للوراء سنةً، حتى أوشكتُ أن أصبح طفلةً!
هذا العام، فى ١٨ من سبتمبر، سوف أصير تلك البنت التى تراقب الباب إذا تأخرت أمها، وتقفُ فى النافذة تتلفّت برأسها مثل عصفور خائف، يمور خيالها بألف كارثة، حتى ترى سيارة الأم تصطف تحت البيت وينزل منها «العالم». فالأم هى كل العالم لطفلتها. كنت أظن أن الخوف من فقدان الأم شأنٌ طفولى، يختفى حين نكبر. لكننى اكتشفت أنه شأن إنسانى، يلازمنا طوال العمر. فقط حين ننضج نتعلم أن نخفى خوفنا.
حين رحلت أمى يوم ٥ سبتمبر، كتبتُ فى «المصرى اليوم» مقالا أواسى به نفسى عنوانه: «صوت أمى لا يطير مرتين»، قلتُ فيه إن أرحم ما فى موت الأمهات، أنهن يمتن مرة واحدة، ولن يمتن غدًا أو بعد غد، وبالتالى يختفى من حياتنا رعبُ فقدهن، لأن الفقد وقع بالفعل. ثم اكتشفت أننى كنت أخدع نفسى على نحو ساذج.
فصوتُ أمى لم يطر أصلا، بل موجود حولى يعذبنى غيابه عن مسمعى. موجود فى جميع تفاصيل حياتى، وحين أحاول تصيّده من الفضاء لا يستجيب. أسمع صوتها فى تسجيلات الهاتف والفيديوهات، فأُجنُّ لأننى أريد الدفء الذى تضنُّّ به التكنولوجيا.
كان فى بيتها ساعة حائط ضخمة. كل أسبوع تطلب منى أن أملأ زنبركها العصىّ ليعود البندول للحياة. وكنت أتمنّع؛ فأنا عسراءُ، وجميع زنبركات العالم مُصمّمة للدوران باليد اليمنى. كانت يمناى تؤلمنى ويسراى تخفق فى المهمة. بعد رحيلها صرتُ أملأ الساعة بكلتا يدىّ، علّ رنينَها يُعيد صوتَ أمى للحياة، ولو بكلمة واحدة: «برافو. شكرا يا حبيبتى!».
حتى الآن كثيرًا ما يرن هاتفى فأتوقع صوت أمى. يوم صلاة جنازها فى مسجد النور بالعباسية، كنتُ أجلس لا أشعر بمن حولى. فجأة قالت لى صديقتى: «ماما برا فى العربية، مش قادرة تدخل وعاوزة تشوفك». نهضت وركضتُ كالمجنونة وقلبى يرقص فرحًا، فقد عادت أمى. مستحيلٌ أن تتركُ الأمهاتُ أبناءها وتمضى. وقفتُ على باب المسجد أبحث عن أمى وسيارتها، حتى جاءنى صوتٌ نسائى من إحدى السيارات: «فافى.. تعالى يا حبيبتى! أنا هنا.. البقية فى حياتك!» التفتُّ لمصدر الصوت، وأدركت أن صديقتى كانت تقصد أمَّها هى. أما أمى فقد أكملت غدرَها بى، وغادرت.
وحده سبتمبر يعرف كل هذا، وأكثر. سبتمبر يعرف بداية العام الدراسى وأمى تشترى الحقيبة والكتب والزىّ المدرسى والأدوات. يعرف نسمات الخريف الأولى ودخول أمى غرفتى لتغلق النافذة لئلا أُصاب بالبرد. يشهد عيد ميلادى وأمى تزين البيت وتعدُّ التورتة. ويحفظُ نظرة الغضب فى عينيها الجميلتين حين ضبطت الإلياذة والأوديسة فوق مكتبى أثناء الدراسة. ويعرف نشوة أمى حين تسمعُ «سورة غافر» بصوت «المنشاوى». ثم يأتى الخامس من سبتمبر، فيصمتُ كل هذا، إلى الأبد.
لكن الأمهات عصيّاتٌ على الموت، مثل الهواء والشمس والقمر. فحين يرحلن لا يتركن أبناءهن، بل يختبئن فى دروب سرية فى السماء، يراقبن أطفالهن ويدعون الرحمنَ أن يحفظهم. صوتُ أمى لم يمت، لكنه اختار لنفسه قانونًا آخر للوجود. اختار أن يسكن سبتمبر.
مقام السؤال:
بعد رحيلك يا أمى، لم يعد سبتمبر مجرد شهر، بل صار هو «مقام السؤال». أُنصتُ إلى سورة «غافر»، وأسمعك تقولين: «هذا مازن وعمر»، حين يقولُ مولانا: «ثم يخرجكم طفلا».