بقلم: فاطمة ناعوت
اختلف الفلاسفةُ فى تعريف الإنسان. أما أنا، فكلما احتجتُ إلى تعريف جديد، اقتنصتُه من قصة جميلة. ونحن اليومَ أمام قصة لامست قلوب المصريين. «مينا يوسف» شاب مثقف، وجد جارته السيدة «منى مختار» منهمكة فى الإجابة على أسئلة إسلامية، أملاً فى الفوز برحلة عُمرة، طالما حلُمت بها. فما كان منه إلا أن اشترك فى المسابقة معها، ليُزيد من فرص الفوز. وبالفعل، فاز بالعُمرة، فأهداها إلى جارته، التى تتأهب لزيارة البيت الحرام. وأترك لكم تخيّل حجم فرحتها بهذه الهدية الغالية.
انتهت القصةُ القصيرة، لكنها فتحت نافذة هائلة للسؤال: ما الذى يجعل إنسانًا يرى حُلمًا فى عينى إنسانٍ، فيعتبر تحقيقَه هدفًا شخصيًّا؟ ما الذى يجعلُ الجارَ امتدادًا للنفس، لا مجرد ساكن وراء الجدار؟ ما الذى يجعلُ الفرحةَ فى عينى الآخر ترقصُ فى عيوننا نحن؟ الإجابة ببساطة: المحبة، التى لم تخِب يومًا، ولا تسقط أبدًا. المحبة التى أشار إليها القرآن الكريم فى قوله: «ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». وهى المحبة التى أوصى بها السيد المسيح عليه السلام حين قال: «تحبُّ قريبَك كنفسك». هكذا السماءُ دائمًا أكثر بساطةً ورحمة من ضجيج البشر.
كان «أرسطو» يرى أن الفضيلة ليست فكرة جميلة نتغنّى بها، بل عادة تتكرر حتى تصبح طبيعة فى النفس. أما «إيمانويل ليفيناس»، فجعل «وجه الآخر» بؤرةَ الوجود ومركزَه؛ فالآخرُ ليس خصمًا يُخشى، ولا حتى موضوعًا للحياد، بل هو نداءٌ أخلاقى مقدسٌ يفرض علينا مسؤوليةً تجاه الآخرين. فوجه الآخر هو التجلى الأنبل للإنسانية. هكذا رأى «مينا» حُلمًا فى وجه السيدة، فاعتبر تحقيقه نداءً مقدسًا واجب النفاذ.
وأنا أقرأ هذه القصة الجميلة، عادت بى الذاكرةُ إلى رُسغ فتاة جميلة قدمت لى تمرةً وكوب ماء لأكسر صيامى على منصّة الاتحادية فى رمضان ٢٠١٣، يوم ٢٦ يوليو، فى تظاهرة المصريين للتفويض بمواجهة الإرهاب. كان الرُّسغُ موشومًا بصليب أزرق. وعادت بى الذاكرة كذلك إلى ذلك النهار الحزين بعد الجريمة الإرهابية التى استهدفت الكنيسة البطرسية. ذهبتُ يومها لأواسى أهالى الشهداء. وكنتُ أبكى وأنا أنظر إلى النعوش البيضاء المتراصّة، مغطاةً بالزهور البيضاء، التى تُطلُّ من بينها صورُ صبايا فى مقتبل العمر، اغتالتهم رصاصاتُ الخِسّة. اقتربتْ منى راهبةٌ جميلة اسمها «رِفقة»، وهمست فى أذنى معاتبةً: “نحن لا نبكى على الراحلات، فهنّ عرائسُ السماء، هذا يوم زفافهنّ إلى الفردوس». عانقتُ سيدةً فقدت ابنتيها فى التفجير، ففوجئتُ بها تواسينى وتُهدينى مصحفًا. فى بيتى عشراتُ المصاحف، بعضها اشتريته، وبعضها من ميراث أبى، وهدايا الأصدقاء. لكن أكبر مصحف فى بيتى أهدته إلىّ أمٌّ مسيحية خرجت لتوها من قلب الفاجعة! رفعتُ عينى إليها فرأيت وجه مصر التى أعرفها، مصر التى لا تُختصر فى ضجيج مراهقات الطائفية، بل تلك التى تكتب كل يوم قصصًا جميلة وصامتة كهذه.
لهذا لم أعد أندهش من وجاهة النسيج المصرى الذى يتجسّد فى مثل هذه القصة، فقد شهدتُ مئات القصص المشابهة. ولم تكن قصة العُمرة إلا حلقةً جديدة فى سلسلةٍ نورانية طويلة عمرها عشرات القرون، تؤكد دائمًا أن هذا الوطن قادرٌ على إنجاب بشرٍ يعرفون أن الإنسان هو الطريق الأقصر إلى الله.
لستُ أرى ما فعله «مينا يوسف» صفحةً من دفتر الوداعة الذى نعرفه عن أشقائنا المسيحيين، بقدر ما أراه تعبيرًا عن طبقةٍ عميقة من الشخصية المصرية الأصيلة. تلك الطبقة التى كثيرًا ما يحجبها صخبُ الطائفية، وضجيجُ مواقع التواصل، وفنون صناعةُ الكراهية التى تتغذى على الاستثناءات المريضة. فالاستثناءُ أبدًا لا يصنع هويةَ وطن، وإنما تصنعها ملايينُ الأفعال الصغيرة التى لا تلتفت إليها الكاميرات، ولا هى أصلا مشغولة بالكاميرات. يدٌ تمتد إلى محتاج. جارٌ يحمل عن جاره بعضَ همّه. أمٌّ ثكلى تدعو لقاتل ابنتها بالرحمة. شبابُ الأقباط يصنعون جدارًا بشريًّا يحيط بالمسلمين أثناء صلاتهم فى ميادين الثورة.. وغيرها الكثير.
الإرهابى لا يقتل الجسد، بل يحاول اغتيال فكرة النبل المتجذّرة فينا. يحاول إقناعنا بأن بين المصرى والمصرى بحرًا من الريبة، وأن اختلاف العقيدة أقوى من رباط الإنسانية والمواطنة. لكنه يخسر أمام مثل هذه القصص الجميلة التى تهزم خطاب الكراهية. فهى لا تجادله، بل تنقضه بالفعل والعمل. هذه القصص أعظمُ من الخطب والشعارات. فالأفكار تُقنع العقول، أما الأخلاق فتهزُّ القلوب. وما يمسُّ القلبَ أبقى أثرًا من كل جدال.
فى هذه الأيام يحتفل أشقاؤنا بعيد السيدة العذراء، عليها السلام، فكل عام وأقباط مصر بخير. وكل عام ومصرُ نبيلةٌ بشرفائها.
مقام السؤال:
هل سيأتى زمنٌ نقرأ فيه خبرًا جميلا كهذا فلا نندهش، لا لأن الفعل فقد جماله، بل لأن النبل صار عادة طبيعية كما أخبرنا أرسطو؟.