«نجيب محفوظ» تاجٌ ونصلٌ وخلود

«نجيب محفوظ».. تاجٌ ونصلٌ.. وخلود

«نجيب محفوظ».. تاجٌ ونصلٌ.. وخلود

 صوت الإمارات -

«نجيب محفوظ» تاجٌ ونصلٌ وخلود

بقلم: فاطمة ناعوت

وأنا أرتِّب أوراقى، فوجئتُ بمُسوّدة هذا المقال الذى كتبته يوم 30 أغسطس، ونسيت أن أنقحها وأرسلها للنشر؛ بسبب انشغالى بنشر مجموعتى القصصية الجديدة، وبرنامجى التليفزيونى: «طاقة فاطمة». حزنتُ لأننى أخلفتُ عهدى مع العظيم الذى رحل فى ذلك اليوم، وما مرَّ عامٌ دون أن أصافحه بمقال منذ غادرنا عام 2006.

عام 2003، فى فيلا الدكتور «يحيى الرخاوى» بحى المقطّم، سألتُ الأستاذَ: «هل تذكر اسم طاعنيْك يا أستاذ نجيب؟» ابتسم، وهزّ رأسه نفيًا، ثم همس: «لكننى سامحتهما». ورغم نبرة البساطة الوادعة فى إجابته، لم أسمع فى الصفح الجميل إلا صوت العلوّ والسموّ. فالصغار لا يُغفَر لهم إلا من عُلا، ولا يَغفرُ من علوٍّ إلا من علا. وهو يعفو عن المطواة المغروسة فى منبت عنقه، كان يرفع قامتَه عن مرمى الضغينة والغدر. غير أنّ نصلًا قاسيًا يمزّق العنق، لا يمرّ دون أثر. مسّ الأعصابَ التى تقود اليدَ اليمنى. اليد التى ظلّت نصف قرنٍ تُسيّرُ الحبرَ على أوراق حارات القاهرة العتيقة. صار القلمُ، بعد الطعنة، يرتجف بين الأصابع، والحروف تتعثّر كطفلٍ يتعلّم المشى. ومن هذه الارتجافات الواهنة وُلدت «أحلام فترة النقاهة»، شذراتٌ مضيئة كقطرات الندى. وكأنّ طعنةَ الغدر العمياء، قطعت نهرَ الرواية الطويل، فانساب الماءُ أشدَّ صفاءً ورقرقةً.

وقبل رحيله بعام، جلستُ إليه فى فندق «شبرد» المطلّ على النيل. كان قد جاوز التسعين، وعقلُه شابٌّ يعيشُ خارج الزمن. كنتُ أتأمل جلالَه بعشق، وأنصتُ إلى أحاديث الأصدقاء ومَن تبقّى من الحرافيش، حين انتبهتُ فجأةً إلى أننى أقتنى من كتبه الكثير، ولا أحوز توقيعَه على أحدها. نهضتُ وركضتُ إلى فندق «سميراميس» المقابل، حيث كانت مكتبةٌ تضمّ أعماله، واخترتُ «الطريق» و«الشحاذ»، أقرب أعماله إلى قلبى، وعدتُ فوجدتُه ينتظرنى مبتسمًا والقلمُ فى يده.

كتب اسمه ببطء وعُسرٍ على «الطريق». فخجلتُ من الدقائق التَعِبَة التى كلّفته إياها، وحاولتُ سحبَ الكتاب من بين يديه بعدما وضع النقطة فوق الظاء. لكنه تشبّث بالرواية، ورفع عينيه قائلا: «إوعى توقّعى اسمك دون تاريخ.. أبدًا». وحفظتُ الوصيّةَ. وصار توقيعُه الواهنُ أحبَّ وأثمنَ توقيعٍ فى مكتبتى. وفهمتُ، متأخرةً، أن الوصية لم تكن من أدبيات المراسلات، بل فى أصول الذاكرة. فالاسم دون تاريخ ريشةٌ بلا جناح، تذروها الرياحُ إلى النسيان. تمامًا كما نُسى الطاعنُ وخَلُد المطعون.

أما لقائى الأول به، فكان فى كازينو «قصر النيل»، وكنتُ طفلةً صغيرة. أشارت أمى إلى رجل يجلس على مقعدٍ مجاور بين رجال كثيرين وقالت: «هذا نجيب محفوظ، الكاتب الكبير، وحوله الحرافيش». وظلّت تحدثنى وشقيقى عن إبداعه ومؤلفاته. وقفتُ على أطراف أصابعى لأتأمله، فشاهدت «الحسنةَ» الكبيرة جوار أنفه. حاولتُ أن أربط بين تلك الكُرة البُنيّة، وكل هذا الثراء الإبداعى الذى تتحدث عنه أمى. أيختبئ الإبداعُ داخل تلك «الزبيبة»؟ بعد عودتنا للبيت، وقفت أمام المرآة لأبحث عن الحسنة فى وجهى. لم أجد شيئًا. حزنتُ، وصرتُ كل يوم أنتظر ظهور العلامة.

وكبرتُ، وعرفتُ أين يختبئ الإبداع. ليس فى زبيبة جوار الأنف، بل فى موهبة فريدة، وعقل جميل، وروح نبيلة، وفى جرحٍ فى العنق، حوّله صاحبُه إلى نافذة، دخل منها الضوءُ إلى نصوصه الأخيرة؛ لتصيرَ أنصعَ وأشفَّ وأرهفَ من جناح فراشة.

فى الثالث عشر من أكتوبر عام 1988، انحنى العالمُ لهذا الرجل الذى حمل قلمًا ليرسم ملامح القاهرة كما لم يرسمها مؤرخ. وفى الرابع عشر من الشهر نفسه عام 1994، انحنى شابٌّ جهولٌ فوق عنقِ الرجل، ومعه نصل جرح عنقه النبيل الذى لم ينحنِ إلا للقلم. ستُّ سنواتٍ ويومٌ تفصل بين المشهدين، لكنّ الروزنامة أصرّت على إلصاق التاجَ بالنصل على ورقتين متجاورتين. وكأنها تقول إن الضوءَ الذى نسمّيه نجمًا، يسمّيه الظلاميون خصمًا! كان «نجيب محفوظ» يمشى بين الناس، يوزّع تحيّاته على الوجوه بحُبٍّ، ولا يعرف أن رواية فاتنة لم يقرأها طاعنُه، ستصير ذريعةً لحدّ نصل حمله خاملٌ منسىّ، ليطعن خالدًا عصيًّا على الموت.

وبعد عشرين عامًا على رحيله، لا يزال يمشى بيننا بلا عكّاز ولا مرافق. مازلنا نلمحُ «السيد أحمد عبد الجواد» يعبر مفترق الطريق وعلى وجهه صرامةٌ تخفى حنانًا، ونرى «أمينة» تطلّ من وراء شيشٍ لم تخرج منه يومًا، ونصادف «كمال» يحمل كتابًا، وفى عينيه سؤالٌ ما زال يبحث عن إجابة، ونلمحُ صفحة وجه «الجبلاوى» حزينًا على ما آل إليه أبناؤه من شقاق وحروب. هؤلاء لم يرحلوا مع صاحبهم، بل يعيشون فى خبز الحارة وأغانى الباعة وصخب الأطفال وصمت الأمهات.

مقام السؤال:

مَن خَلُد فى ذاكرة التاريخ: اسمٌ أضاءَ السطور والعقول، أم اسمٌ حاول إطفاء الوهج؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«نجيب محفوظ» تاجٌ ونصلٌ وخلود «نجيب محفوظ» تاجٌ ونصلٌ وخلود



GMT 01:36 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

رسّام الغموض

GMT 01:35 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

ملوخية ودِمعة ورز

GMT 01:34 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

الذكاء والخوف المبرر (1)

GMT 01:33 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا.. للخلف دُر

GMT 01:32 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

هيّا يا همّام... تقدّم للأمام

GMT 01:31 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

من يقدم طوق النجاة؟

GMT 01:30 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

تطعيم سرطان عنق الرحم.. حماية وأمان

GMT 01:28 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

المحطة 2030

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - صوت الإمارات
تستعيد الأوساط الموضة والجمال مجموعة من أبرز إطلالات النجمات وعاشقات الموضة بصيحة اللون الوردي الأحادية المشهورة بتوقيع دار الأزياء العالمية فالنتينو، وذلك بالتزامن مع فعاليات شهر "أكتوبر الوردي" المخصص للتوعية بمرض سرطان الثدي ودعم المحاربات حول العالم. وتعود هذه الصيحة البارزة التي أطلقتها الدار العالمية في سبتمبر عام 2022 تحت اسم "PP Pink" لتمنح النساء أفكاراً تنسيقية فخمة ومبتكرة تعتمد على المظهر المونوكروم باللون الوردي الفاقع. وتألقت النجمة ياسمين صبري بتلك الصيحة خلال إحدى المناسبات الخاصة بالموضة، حيث ارتدت فستاناً طويلاً باللون الزهري تميز بياقة ضيقة وأكمام قصيرة وقصة محددة عند الخصر يتخللها شق جانبي، وأكملت المظهر بحذاء وردي بكعب عالٍ وجوارب وحقيبة يد بنفس اللون. كما ظهرت عارضة الأزياء جيجي حديد بإطلال...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 -0001 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

شهر مفصلي أنت على مفترق طريق في حياتك وتغييرات كبيرة

GMT 13:56 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حماسية وجيدة خلال هذا الشهر

GMT 20:43 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر مع تنافر بين مركور وأورانوس

GMT 08:48 2019 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

زعيم "داعشي" يسلم نفسه للسلطات الأفغانية

GMT 17:15 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

ديكورات عصرية مُذهلة في منزل إلين ديجينريس الجديد

GMT 15:29 2018 الأربعاء ,23 أيار / مايو

إنتاج مسحوق حليب الأطفال من الإبل في الإمارات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates