بقلم:أمينة خيري
فى حال لم تتحقق النبوءة أو التحذيرات الوجودية التى يتحدث عنها علنًا خبراء فى صميم المجال، والخاصة بـ«مخاطر وجودية تهدد البشرية»، وبقينا نصارعه ويصارعنا، هل لدينا رؤية ما لهذا الصراع؟
على مدار الأسابيع القليلة الماضية، والعالم منشغل بما قاله الخبيران جاكوب كوكسون، وهو موظف سابق فى شركتَى «أنثروبيك» و«أوبن إيه آى»، وإيفان هوبينجر، مسؤول سلامة الذكاء الاصطناعى فى «أنثروبيك»، عن قدرة هذا الذكاء على قتلنا جميعًا مع حلول عام ٢٠٣٠!
كلما خرج ابتكار جديد، أو ظهر اختراع فريد، تدور مخاوف وتحوم شكوك حول ما يمكن أن تؤول إليه حياة البشر من مآسٍ وكوارث وأزمات بسببه. من المصباح الكهربائى والتليفزيون، إلى الطائرة والقطار، وكذلك تكنولوجيا النانو وغيرها الكثير. ولا يفوتنا أيضًا افتراض حسن النية مع ابتكارات أخرى اتضح فيما بعد أن «قِلّتها كانت أحسن» أو أن مخاطرها ومساوئها أخطر من فوائدها ومحاسنها، مثل الفريون والأسلحة النووية وغيرهما.
البعض يرجح أو يتمنى أن تكون التحذيرات المتصاعدة من قدرة الذكاء الاصطناعى على القضاء علينا مبالغًا فيها أو نوعًا من الترويج أو الدعاية له عبر بوابة التخويف. فى المقابل، فإن ما حدث وأعلن عنه «معهد الذكاء الاصطناعى» فى بريطانيا من حدوث «سلوك فردى غير مسموح به» أثناء إجراء تجربة خاصة بالأمن السيبرانى مقلق. فما حدث هو أن الذكاء الاصطناعى بحث عن أفراد للمشاركة فى مشروع برمجى، مستخدمًا هويات مزيفة تصدر تعليمات برمجية بالغة الضرر والخطورة، وعند اكتشاف ذلك، ما كان من الذكاء الاصطناعى إلا أن حاول إخفاء «عملته السودة»، وبدأ فى اتخاذ خطوات لإنشاء هوية أخرى.
يبدو ما جرى وكأنه عملية نصب واحتيال بسيطة، لكن التقنيات القادرة على التمويه والتصرف بسرعة للإفلات من التوقيف، قادرة على فعل المزيد، لا سيما أنها فى حالة تطور مستمر، وما اكتشف اليوم، قد يمر غدًا دون أن يلحظ أحد.
وعودة إلى السؤال: هل نتخذ خطوات أو ندرس سيناريوهات التعامل مع الذكاء الاصطناعى القادم بقوة؟ المسألة لم تعد مقصورة على وظائف أو مهن بدأ فى القضاء عليها فعليًا. كما لم تعد تدور فى فلك المعلومات والأخبار والتحليلات الكاذبة والمضللة، والهويات غير الموجودة على أرض الواقع والقادرة على تحريك الناس فى اتجاهات قد يكون بعضها مميتًا أو ضارًا، أو الهجمات الإلكترونية، أو السيطرة على البنى التحتية فقط. المخاطر شأنها شأن الفوائد، عديدة، والكثير منها غير معروف.
سؤال الجاهزية يسيطر علىَّ كلما باغتتنى صور وأخبار الطفلة «ضحية» الترويج السطحى المضلل العجيب الغريب المريب بأنها اخترعت روبوت عبارة عن مانيكان بلاستيك يرتدى عباءة وطرحة، ومزود بجهاز وتطبيق قتله علماء بحثًا واختراعًا منذ سنوات. إذا كانت هذه هى جاهزيتنا، فـ«على الدنيا وعلينا السلام».
مثل هذه الأشياء تجعل منا مسخة أمام العالم، وأمام الذكاء الاصطناعى نفسه. إن لم يقتلنا الذكاء الاصطناعى بتطبيقاته، سنقتله نحن بفقع مرارته.