الخرطوم لماذا

الخرطوم... لماذا؟

الخرطوم... لماذا؟

 صوت الإمارات -

الخرطوم لماذا

بقلم : عثمان ميرغني

يفاجئك البعض أحياناً بالسؤال: لماذا الدعوة إلى عقد الحوار السوداني - السوداني في الخرطوم، وليس في إحدى عواصم دول المنطقة، أو حتى في عاصمة أوروبية بعيدة عن مسرح الحرب؟

السؤال مشروع، لكن ربما يكون من المفيد قلبه: لماذا لا يكون الحوار في الخرطوم؟

إذا كان الهدف هو الوصول إلى توافق سوداني حقيقي -سياسي ومجتمعي- يسهم في إنهاء الحرب ويحافظ على وحدة البلاد، فإن منطق عقد الحوار داخل السودان يستحق أن يُنظر إليه باعتباره أكثر من مجرد اختيار لمكان انعقاد مؤتمر. إنه تعبير عن فكرة أساسية: أن السودانيين هم أصحاب القضية، وأن الحل الذي يبحثون عنه ينبغي أن يكون قريباً من مجتمعهم، ومتصلاً مباشرة بواقعهم، ومملوكاً لهم.

أول ما يبرر عقد الحوار في الخرطوم هو تأكيد السيادة والملكية الوطنية للعملية السياسية. فقد أثبتت السنوات الماضية أن كثرة المنصات الخارجية لا تعني بالضرورة الاقتراب من التسوية. وعقد جولات متتالية في عواصم مختلفة قد يوفر بيئة تفاوضية مريحة، لكنه يظل معرضاً لتأثير أجندات الوسطاء والدول المستضيفة، ولأن يصبح السودانيون طرفاً في عملية تصمم خارج السودان أكثر مما يكونون أصحابها.

ولا يعني ذلك إقصاء المجتمع الدولي. على العكس، يمكن أن يكون دوره أكثر فاعلية إذا انحصر في التيسير والضمان والمساعدة الفنية، بينما تبقى إدارة الحوار وأجندته ومخرجاته بيد السودانيين. وهذا هو جوهر مفهوم «الملكية السودانية» الذي أصبح حاضراً في الخطاب الدولي حول التسوية السياسية.

أما الخرطوم نفسها فليست مجرد مكان بالمعنى الجغرافي؛ إنها عاصمة البلاد ورمز وحدتها، وفي وجدان شعبها. ولذلك فإن اجتماع السودانيين فيها للحوار يحمل رسالة تتجاوز المكان: مفادها أن الخلاف مهما بلغ، والحرب مهما طال أمدها، لا ينبغي أن يحولا العاصمة إلى عنوان لانقسام تصنعه مبارزات السياسة، أو أن يجعلا من الجغرافيا أساساً للتشكيك في مركز الدولة.

وهناك بعد آخر لا يقل أهمية: معايشة الحقيقة السودانية كما هي.

الحوار الذي يجري في قاعة فندق خارج البلاد يمكن أن يناقش وقف الحرب والنازحين وإعادة الإعمار والاقتصاد، لكن الحوار الذي ينعقد وسط العاصمة التي دمرتها الحرب سيكون أقرب إلى إدراك تكلفة هذه القضايا على الأرض. رؤية الأحياء المدمرة، والاستماع مباشرة إلى المواطنين ومعاناتهم، والاقتراب من أوضاع الأسر المتضررة، كلها تجعل الحوار أكثر اتصالاً بالإنسان الذي يفترض أن يكون السلام من أجله.

كما أن حوار الداخل يمكن أن يفتح الباب أمام مشاركة اجتماعية أوسع من المؤتمرات الخارجية. فالسودان ليس فقط القوى السياسية، هناك الإدارات الأهلية، والطرق الصوفية، والشباب، والنساء، والمهنيون، والمجتمعات المحلية، والنازحون، وأسر الضحايا، وملايين المواطنين الذين يعيشون الحرب وآثارها كل يوم بمن فيهم المغتربون الذين شكلوا مظلة اجتماعية ساهمت في حماية السودانيين من ضغوط المعيشة. وإذا كان المطلوب تسوية قابلة للحياة، فلا بد أن تتجاوز طاولة السياسيين إلى المجتمع الذي سيدفع ثمن الاتفاق أو يجني ثماره.

لكنّ هناك اعتراضاً على حوار الخرطوم من المهم الاستماع له: كيف يمكن ضمان الحرية والأمن والحياد للمشاركين؟

وهذا اعتراض لا يمكن تجاوزه بالشعارات. لذلك فإن عقد الحوار في العاصمة كان لا بد أن يرتبط بحزمة ضمانات مكتوبة وملزمة، تكفل للمشاركين حرية الوصول والمغادرة والتعبير، وتحميهم من الملاحقة بسبب مواقفهم السياسية، وتمنع التدخل في أعمال الحوار أو فرض نتائجه مسبقاً. وقد كانت هذه الضمانات في أولويات ما سعت إليه لجنة تهيئة الحوار السوداني، وظلت تؤكد عليها في كل تصريحاتها. الأمر الآخر هو أن أطراف الحوار، عندما ينعقد، يمكن أن تطلب المزيد من الضمانات إذا رأت ذلك ضرورياً، بل يمكنها أن تطرحها الآن على لجنة التهيئة لمعرفة إمكانية تحقيقها.

بهذا المعنى، لا ينبغي أن يكون الاختيار بين «حوار في الداخل» و«حوار في الخارج» صراعاً بين السودانيين والمجتمع الدولي. يمكن أن يكون الحوار سودانياً في قيادته ومكانه، ودولياً في المساهمة في تيسيره من دون تدخل في أجندته أو مخرجاته.

في النهاية، ليست القضية أن الخرطوم مكان مثالي؛ فظروف الحرب تجعل الكمال مستحيلاً. القضية هي ما إذا كان بالإمكان تحويل وجود الحوار في العاصمة إلى جزء من الحل بدلاً من محاولة تصويره كجزء من المشكلة.

فالسلام الذي يُراد له أن يعيد بناء السودان لا ينبغي أن يبدأ بعيداً عن السودان. وإذا كان السودانيون مطالبين بأن يتحملوا مسؤولية إنقاذ بلادهم، فمن المنطقي أن تكون لهم أيضاً فرصة أن يجلسوا إلى طاولة واحدة في عاصمتهم، وأن يروا بأعينهم ما فعلته الحرب، وأن يقرروا بأنفسهم وبين شعبهم كيف يخرج بلدهم من هذا الخراب.

الخرطوم ليست مجرد مكان للحوار؛ يمكن أن تكون الرسالة الأولى بأن السودان، رغم الحرب، لا يزال بلداً واحداً، وأن مستقبله لا يُرسم إلا بأيدي أبنائه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخرطوم لماذا الخرطوم لماذا



GMT 21:39 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

هل انتهت الأمم المتحدة؟... عالم الأمس

GMT 21:39 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

السؤال هو صانع الحضارة

GMT 21:38 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

أيتهما أكثر قوة... السعودية أم إيران؟

GMT 21:37 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

عبد العزيز... غيثٌ وليثٌ

GMT 21:34 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

إنهم يسرقون وجوهنا!

GMT 21:34 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

بُعد بين أبعاد في عملية استهداف السعودية

GMT 21:33 2026 الخميس ,24 أيلول / سبتمبر

لانسر ومرسيدس ورولزرويس!!

الملكة رانيا تعيد تعريف الأناقة الرسمية بصيحة السروال القصير

عمان - صوت الإمارات
أطلت الملكة رانيا العبد الله بإطلالة تجمع بين العصرية والجمال الرسمي المبتكر، لتلفت الأنظار بقدرتها الاستثنائية على تنسيق صيحة السروال القصير وتطويرها لتناسب أرقى المناسبات والفعاليات الرسمية. وتعتمد الملكة رانيا في هذا النمط من الإطلالات على تحقيق التوازن الدقيق بين الرقي والرسمية المحافظة؛ حيث أطلت في أحدث ظهور لها ببلوزة حريرية باللون الأخضر الزيتي الداكن تميزت بياقة دائرية مرتفعة وكشكشة ناعمة متدرجة تزين منطقة الصدر وأكمام قصيرة منفوخة، ونسقتها مع بنطال أسود واسع الساقين وقصير يصل إلى أسفل الركبة ومحدد عند الخصر بحزام جلدي ذي إبزيم معدني ذهبي بارز، وأكملت ظهورها بحذاء كلاسيكي مدبب وحقيبة يد جلدية سوداء أنيقة تضفي لمسة عملية ومتوازنة على حضورها الفخم. ولم تكن هذه المرة الأولى التي تعتمد فيها هذه الصيحة، بل سبق أن ظ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 09:01 2017 الخميس ,26 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل كيكة الدوامة بالزبدة

GMT 02:52 2020 السبت ,21 آذار/ مارس

إيقاف بث برنامج Saturday Night live بسبب كورونا

GMT 20:13 2020 الثلاثاء ,14 كانون الثاني / يناير

بسبب السقف الزجاجي.مرسيدس تستدعي أكثر من 740 ألف سيارة

GMT 17:16 2019 الأحد ,21 إبريل / نيسان

انفجارات تهز سريلانكا صباح "القيامة"

GMT 11:06 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

افتتاح معرض "ثقة العقاري المصري" بمركز إكسبو في الشارقة

GMT 07:22 2013 الثلاثاء ,30 إبريل / نيسان

"نجيب محفوظ يتذكر" أحدث إصدارات هيئة الكتاب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates