السودان حرب ضد المواطن

السودان... حرب ضد المواطن

السودان... حرب ضد المواطن

 صوت الإمارات -

السودان حرب ضد المواطن

بقلم : عثمان ميرغني

 

لا توجد حرب لطيفة، كل الحروب قاسية بطبيعتها، تختلف فقط في درجة قسوتها، وفي الأثمان التي يتحملها كل من يكتوي بنيرانها. التاريخ يؤكد أنه لم تكن هناك أي حرب خالية من المعاناة والألم والدمار، وغالباً ما يدفع الأبرياء الثمن الأكبر.

حرب السودان ليست استثناء بالتأكيد، لا في المعاناة التي أوجدتها، ولا في أن المواطن من أكبر ضحاياها. أحدثت الحرب دماراً هائلاً، وفُقدت أرواح كثيرة، وتشرد الملايين داخل وخارج البلد، وخلقت أزمات إنسانية سوف تستمر آثارها لعقود. ما زاد من حجم المعاناة أن الاستهداف للمواطنين كان منهجياً ومباشراً ومكثفاً حتى صار كثيرون يقولون إنها حرب ضد المواطن، والاتهامات كانت موجهة بالأساس لـ«قوات الدعم السريع».

في الآونة الأخيرة وبعد هزائمها المتتالية في ولاية الجزيرة وفي مدينتي بحري والخرطوم، لجأت «قوات الدعم السريع» إلى أسلوب انتقامي باستهداف المواطنين وقصفهم في الأسواق والمستشفيات، وكذلك بقصف محطات الكهرباء والمياه عمداً، وهي أساليب تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، والمواثيق والقوانين التي تلزم بحماية المدنيين والمنشآت المدنية والخدمية. فقبل أن يفيق الناس من صدمة استهداف المستشفى السعودي في مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، بمسيَّرة تابعة «للدعم السريع» أواخر الشهر الماضي، ما أدى إلى مقتل 70 شخصاً وجرح أكثر من مائة، جاءت فاجعة استهداف سوق «صابرين» في أم درمان يوم السبت الماضي بقذائف مدفعية أودت بحياة 54 شخصاً وإصابة أكثر من 150 آخرين. وتبع ذلك قصف مستشفى «النو» في أم درمان أيضاً أمس ما أدى إلى مقتل 6 أشخاص وجرح 38.

كانت هذه مجرد نماذج للاستهداف المروع للمواطنين الذي كان مستمراً بدرجات وطرق مختلفة منذ بدء الحرب، لكنه، بقي من سماتها البارزة.

منذ البداية استهدف المواطنون باحتلال بيوتهم وطردهم منها ونهبها وتخريبها. فقد أجبرت التكتيكات التي اتبعتها «قوات الدعم السريع» ملايين السودانيين على الهروب من مناطقهم، إذ تقدر منظمات دولية أن أكثر من عشرة ملايين شخص اضطروا للفرار من ديارهم، منهم أكثر من مليوني شخص عبروا الحدود إلى دول الجوار، والبقية توزعوا نازحين في الداخل.

ترافق ذلك مع تدمير ممنهج للبنى التحتية، والمصانع، والمنشآت الخدمية، والمرافق الصحية، ونهب البنوك والأسواق، ولم تسلم حتى المدارس والجامعات والمتاحف.

«قوات الدعم السريع» تورطت أيضاً في جرائم العنف الجنسي المنهجي الذي استخدمته سلاح حرب. قصص كثيرة مروعة وثقتها منظمات محلية ودولية ووسائل إعلام، وأكثر منها ما لم يخرج إلى العلن بسبب الخوف من الانعكاسات في مجتمع محافظ مثل المجتمع السوداني.

إلى جانب كل ذلك، يبقى أحد الجوانب الأكثر قتامة وبشاعة وهو عمليات الإبادة الجماعية لأسباب عرقية عنصرية، أو بدوافع انتقامية، سواء في دارفور أو الجزيرة وغيرها، وهي عمليات وثقت لها تقارير المنظمات الدولية والجماعات الحقوقية، وبسببها قررت الحكومة الأميركية أن «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها ترتكب إبادة جماعية.

في إطار الشد والجذب والاستقطاب الحاد في المشهد السوداني، هناك من سيقول لك إن الانتهاكات تحدث من الطرفين، أي من الجيش و«قوات الدعم السريع»، لكن في الواقع لا توجد مقارنة بأي معيار موضوعي. فالانتهاكات التي حدثت من جانب الجيش كانت إما نتيجة أخطاء في القصف بالطيران أو المدفعية، وإما من ممارسات فردية قبيحة أدانها الجيش ذاته ووعد بملاحقة ومحاكمة مرتكبيها. أما انتهاكات «قوات الدعم السريع» فكانت منهجية، وعلى نطاق واسع، وموجهة في أكثرها نحو المواطنين.

أهم شهادة في هذا المجال تأتي من المواطنين أنفسهم، إذ إنهم وطوال فترة الحرب كانوا يهربون من مناطقهم إذا دخلتها «قوات الدعم السريع»، ويلجأون إلى مناطق سيطرة الجيش بحثاً عن الأمان. ترى ذلك أيضاً في مشاهد احتفالاتهم العفوية في كل منطقة يدخلها الجيش ويطرد منها «الدعم السريع»، مثلما رأينا كثيراً خلال الأسابيع والأيام الماضية في الجزيرة والخرطوم وكردفان، والتفاعل الواسع مع هذه الاحتفالات في كثير من مدن البلاد.

هذه الحرب القاسية ستكون لها تداعياتها الكبيرة على المشهد السوداني المقبل. فنتيجة للممارسات التي التصقت بـ«قوات الدعم السريع»، أصبحت هناك فجوة هائلة بينها وبين المواطن الذي لم يعد يتقبلها، ويرفض فكرة أي وجود أو دور لها في الساحة مستقبلاً. الجيش أيضاً بات أكثر تشدداً إزاء مسألة المفاوضات، وبدا الآن متمسكاً بمواصلة القتال «حتى زوال الميليشيا» على حد قول الفريق عبد الفتاح البرهان.

هل سيكون ذلك المتغير الوحيد في المشهد؟

كلا، ستكون هناك متغيرات أخرى سياسياً واجتماعياً تحتاج معالجة في مقال لاحق. فسودان ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها بالتأكيد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان حرب ضد المواطن السودان حرب ضد المواطن



GMT 21:14 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

أميركا وإيران... رقصة «تانغو» على إيقاع صامت

GMT 21:13 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

مشروعان يتنازعان الشرق الأوسط

GMT 21:11 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

ليبيا في الأسر... والمواطنون ملوا المراوحة

GMT 21:11 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

الأمم المتحدة...هرج كثير ومرج قليل

GMT 21:10 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

اليمن مسألة لن تحل نفسها بنفسها

GMT 21:09 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

عندما تعجز المؤسسات الدولية عن منع الحروب!

GMT 21:08 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

... وحضرت غزة من دون تأشيرة دخول!

GMT 21:07 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

إيران والولايات المتحدة... مفاجأة أكتوبر؟

إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - صوت الإمارات
تجلت هوية الوطن في احتفالات اليوم الوطني السعودي الـ96 عبر تفاصيل أزياء راقية حملت ملامح الماضي التليد وروح الحاضر واكتست بآفاق المستقبل، حيث تحولت إطلالات المشاهير إلى مساحة إبداعية تعبر عن الانتماء بأسلوب معاصر يجمع بين جماليات العمارة النجدية وتفاصيل اللوك الحجازي وتراث المنطقة الوسطى ورمزية النخيل والتطريزات الأصيلة. وتألقت المهندسة المعمارية الداخلية نوف المنيف بفستان مستوحى من جماليات العمارة النجدية وتفاصيلها المميزة بتصميم يجمع بين الملامح التراثية والخطوط المعاصرة من توقيع المصممة خديجة السنيدي مؤسسة علامة IKH. واختارت المصممة هبة بنت حسان بن حسين فرّاش إطلالة حجازية تستحضر أناقة الماضي بروح حديثة وقدمت قراءة عصرية للإرث الحجازي من خلال النقشات والتطريزات المعبّرة عن ذاكرة المكان والانتماء في جلسة تصوير بعدØ...المزيد

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 11:21 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الدلو الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 18:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 17:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 20:47 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

صلاح عاشور يؤكد تأخر انتقاله إلى الزمالك لأربعة مواسم

GMT 08:19 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

المدرب هيرفي رينارد يباشر إصابة لاعبه أسامة طنان

GMT 19:39 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

4 مقاصد قد تلائم ميزانية سفرك إذا كنتِ من محبي المغامرة

GMT 15:10 2015 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

صدور "الليبرالية نشأتها وتحولاتها وأزمتها في مصر"

GMT 18:41 2017 الأربعاء ,16 آب / أغسطس

استعراض لمواصفات سيارة هيونداي i30 الجديدة

GMT 13:26 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

تطبيق نظام النجوم العالمي لتصنيف الخدمات في شرطة أبوظبي

GMT 23:18 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

النصر يجدد عقد إبراهيم عيسى حتى 2022

GMT 04:42 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الأهلي" يتلقي صدمة من نادي العين الإماراتي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates