ضد قراءة نيتشه في الطائرة

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

 صوت الإمارات -

ضد قراءة نيتشه في الطائرة

فهد سليمان الشقيران
بقلم - فهد سليمان الشقيران

لم يكنِ الأستاذُ الراحلُ مطاع صفدي مزّاحاً فيما يتعلَّق بالفلسفة والمعرفة وساحات العلوم؛ بل كانَ في غاية الجدّية والحزم والصرامة.

حين قابلتُه كانت دراسته: «هيدغر وبراءة الصيرورة» للتو قد طُبعت. ومع النقاش حولها تأمّل معنا في فكرة هيدغر عن نيتشه وتبحّر فيها. ختم قوله إنَّ من لم يقرأ دراسة مارتن هيدغر أولاً ثم جيل دلوز ثانياً عن نيتشه لن يصل إلى عمق الفلسفة النيتشوية. وعدّ دراسة هيدغر هي الأهم على الإطلاق.

الآن البعض يقرأ بضع قصائد مأساوية عادية من ديوان ثانوي لنيتشه بالطائرة، ثم يشبّه نفسه به. مع تباهٍ عارم واغتباط بالجهل.

سبب كل ذلك ما جرّته بعض الحالات السوشياليّة والإعلامية علينا من ويلات. مناخات تزييف تسرّع من ظهور البعض بزيّ الفلسفة والأدب والثقافة والسياسة من دون أي منتجٍ متميز، ولا بحثٍ مكتوب، ولا كتاب مشهود... قصارى ما لديهم مجموعة من الإنشاء العابر والكلام السائر والظهور الممل.

لم تكن لدى نيتشه فلسفة سياسيّة، رغم كل ما قِيل عن جدل النازية، ولهذا بحث يطول. وإنما كانت لدى نيتشه مجموعة من الأفكار الأساسيّة فيما يتعلّق بالمجتمع وتطوّره متأثراً بالداروينية العلميّة التي بوّبها فلسفياً، ومن ثم فُهمت سياسياً، وبسبب تفسير أخته لكتاباته حول الإنسان الأعلى تبنّت بعض المؤسسات النازيّة ذلك التأويل. لقد كان هيدغر أكثر تورّطاً بالسياسة من نيتشه؛ إذ انخرط -وإن من مكانٍ قصيّ- بالنازيّة، وكُتب عن هذا الموضوع عشرات الدراسات.

القصد أن نيتشه لم تكن لديه نظرية سياسية شاملة على طريقة أفلاطون أو أرسطو أو روسو أو هوبز أو كانط أو هيغل، بل كانت فلسفة مركزيّتها تدور حول الإنسان المتفوّق.

قرأتُ قبل أيام ما كتبه «بوطرفة أيمن» بعنوان: «مفهوم السياسة الكبرى في فلسفة نيتشه السياسية»، خلاصة قوله كالآتي: «ينطلق نيتشه من نقد الحداثة السياسية، حيث قادت إلى انتشار الأفكار الديمقراطية والاشتراكية وما يسميه نيتشه المساواة العدمية، ونموذج الدولة-الأمة، التي تنتمي إلى ما يسميه نيتشه السياسة الصغرى. وعلى النقيض يقترح نيتشه فلسفة سياسية تقوم على مفهوم السياسة الكبرى حيث الدعوة إلى سياسة أكثر توسعية وأكثر انفتاحاً أيضاً. فتظهر دعوة نيتشه لمشاريع من مثل الوحدة الأوروبية، ومفهوم الإنسان الأسمى».

لم يكن نيتشه فيلسوفاً سياسياً قط؛ وإنما رُبط اسمه بالسياسة، بسبب نظريته حول الإنسان الأعلى أو المتفوّق هذا، مع أنه انتقد الفكر السياسي الغربي، كما يرصد رودولف شتاينر في كتابه: «نيتشه مكافحاً ضد عصره»، وقد كتبتُ عن هذا الكتاب من قبل.

بيد أن المفهوم الأساسي لنيتشه هو المخاطرة المضادّة للرمادية الجبانة؛ تلك المنطقة التي شنّع عليها نيتشه وحاربها بكل أسلحته قوة. وهو مفهوم بُحث في مجال الفلسفة السياسية. في بدء كتابه «هكذا تكلم زرادشت» يكتب: «إن العبور للجهة المقابلة مخاطرة، وفي البقاء وسط الطريق خطر، وفي الالتفات إلى الوراء، وفي كل ترددٍ، وفي كل توقفٍ خطر في خطر»، فلسفة الخطر لدى نيتشه حيويّة وساخرة وقصدها وجودي بحت.

ورغم عدم طرح نيتشه نظرية سياسية فإن من السياسيين من تأثر به. يروي عبد الرحمن بدوي، في مذكّراته «سيرة حياتي»، أنه حين نشر كتابه «نيتشه» عام 1939 قرأه جمال عبد الناصر، وحين قرأ عبارة: «لكي تجني من الوجود أجمل ما فيه عِش في خطر»، أثّرت فيه هذه العبارة أيّما تأثير.

ربما كان التنازع الطويل والمحتدم بين المؤرخين للفلسفة حول تأثير فلسفة نيتشه على الأحزاب الشمولية الاستئصالية، مثل النازية، يعود إلى هذا الحشد الفلسفي نحو «المخاطرة» والوقوف بوجه الوجود، هذا فضلاً عن آرائه الحادة تجاه اليهود، والضعفاء الذين يشكّلون عبئاً على قشرة الأرض، كما يقول في أكثر من كتابٍ له، غير أن هذا لا يعطي المسؤولية النيتشوية عن أي تيارٍ أو حزب دموي، ربما التأويلات التي سُيّست لاحقاً، خصوصاً مما جمعتْه أخته، سبب كل ذلك الشغب عليه.

الخلاصة؛ أن الحالة السوشيالية التي تحاول اختطاف المفهوم الفلسفي، وتتغطّى بالظهور الإعلامي الناقص، لا يمكنها أن تبوّب ولا أن تُفهم، فضلاً عن أن تشرح المفاهيم الكبرى التي اشتغل عليها الكبار.

نيتشه ليس فيلسوفاً سياسياً؛ إنه أشمل من ذلك بكثير... إن فلسفته أكبر وأعقد من أن يقرأها شخصٌ في الطائرة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ضد قراءة نيتشه في الطائرة ضد قراءة نيتشه في الطائرة



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

ياسمين صبري تتألق في رحلة صيفية بإطلالات أنثوية وألوان جريئة

القاهرة - صوت الإمارات
جمعت النجمة ياسمين صبري في رحلتها الصيفية بين هدوء الريفييرا اليونانية ونبض العاصمة الماليزية كوالالمبور، مُقدّمة خزانة ملابس متنوعة اعتمدت فيها على التنوع في القصّات والألوان بما يتناسب مع طبيعة كل وجهة سياحية، حيث تنقلت بين اختيارات أنثوية حالمة وألوان صيفية نابضة وتصاميم عصرية. وشهدت إطلالات اليونان تركيزاً على التصاميم الأنثوية الهادئة، إذ ظهرت بفستان أبيض طويل من قماش الدانتيل المخرّم مع حمالات رفيعة وتطريزات دقيقة انسجمت مع الأجواء المتوسطية، ثم انتقلت إلى جمبسوت كحلي أنيق بتصميم مكشوف الكتفين وسروال واسع لإطلالة راقية، بالإضافة إلى فستان طويل مطبع بالورود الملونة بأسلوب الملتف عند الصدر والخصر. أما في كوالالمبور، فتنوعت خياراتها لتصبح أكثر جرأة وعصرية؛ إذ ارتدت فستاناً أحمر قصير بتصميم الملتف مع حذاء مسطح وحق...المزيد

GMT 20:41 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 19:29 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 18:08 2018 الثلاثاء ,27 شباط / فبراير

ميلانيا ترامب تخطف الأنظار في فستان أسود طويل

GMT 07:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

العالم الهولندي يتوقع حدوث خامس أضخم زلزال خلال 20 عامًا

GMT 03:54 2020 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

زيت الورد لتغذية فروة الرأس والشعر

GMT 03:23 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

علاج الزبادي والخل لتنعيم القدمين ولإزالة القشور

GMT 19:06 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

حاكم دبي يفتتح معرض "دبي الدولي للطيران 2019" بمدينة المعارض

GMT 17:26 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

عمر خيرت يحيي حفلا في العاصمة الإدارية الجديدة

GMT 08:25 2019 الأربعاء ,29 أيار / مايو

ميلانو يعلن رحيل مدربه غاتوسو بالتراضي

GMT 01:57 2019 الثلاثاء ,08 كانون الثاني / يناير

أفكار مدهشة لاستغلال ديكور مدخل المنزل

GMT 14:43 2018 الأربعاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مغربية مغتصبة تحثُّ الفتيات على مقاومة الاعتداءات الجنسية

GMT 15:57 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

إليكِ أفضل العطور النسائية الجذابة من " جيفنشي"

GMT 23:06 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أماكن مثيرة لوضع التاتو للتجديد في العلاقة الحميمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates