ما بعد الغنوشي وسياسات حزب النهضة

ما بعد الغنوشي... وسياسات حزب النهضة

ما بعد الغنوشي... وسياسات حزب النهضة

 صوت الإمارات -

ما بعد الغنوشي وسياسات حزب النهضة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

بإصدار الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي بالمحكمة الابتدائية في تونس، حكماً بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي ثلاث سنوات مع النفاذ العاجل بتهمة تلقي تمويل أجنبي، يسدل الستار على قصةٍ مرعبة مرّت بها البلاد منذ تأسيس حركة النهضة وضخّ حراكها من لندن وعموم أوروبا؛ وهي حركة أمسكت بزمام الأمور لمدةٍ لحسن الحظّ أنها لم تطل، وما نفعت عبارات التنمية، ولا مزاعم العلمنة في طمأنة المجتمع التونسي من غدر الإخوان، بل سرعان ما تكشّفت الأوضاع، وتبيّن تورط القوم باغتيالات، وبتمويلٍ أجنبي، وبكشف الدولة للخارج باعتبارها دولة تابعة للجماعة، بل أشبه بالدولة المحتلّة من قبل التنظيم، ولكن اليقظة القانونية والسياسية، و«السستام» الرائع المبني منذ أيام الحبيب بورقيبة حرس «مفهوم الدولة» من الانهيار، وحمى الدولة من عواقب الاحتلال الإخواني الجهنمي.

شكّلت قرارات 25 يوليو (تموز) في تونس نقلة نوعية للدولة والمجتمع معاً، وحراسة للمؤسسات، وصيانة للتاريخ. لذلك أحيل إلى نتائج دراسات استراتيجية نوعية مهمة طرحها كتاب بعنوان: «بعد قرارات 25 يوليو في تونس - الإسلاموية والدولة» صدر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث. هدف الكتاب مناقشة وتحليل تداعيات القرارات الرئاسية على حركة النهضة ضمن مقاربات عدة، فإلى جانب المقاربة التاريخية، التي ساعدت على فهم تشكل الإسلاموية التونسية والالتباس المرافق لمراحل التأسيس، والفصام الآيديولوجي بين الدعوي والسياسي، والعزلة عن المجتمع ومعاداة التحديث؛ أبانت المقاربة النقدية، المخاطر المترتبة على سعي «إخوان تونس» إلى أخونة المجتمع وفرض قوالب اجتماعية متطرفة وأدوات تمكين ونفوذ تهدد، ليس البنى الاجتماعية فحسب، وإنما مقدرات الدولة وهويتها الحداثية.

الأكاديمي التونسي محمد الحداد يعتبر أنه من المهم إدراك الاختلاف بين الانتفاضة والثورة. تختلف الانتفاضة الاجتماعية عن الثورة بطابعها المطلبي، فهي لا تطرح فلسفة جديدة للحكم، وإنما تطلب من الحكم تحقيق مطالب معينة. يورد الحداد أن الرئيس قيس سعيد مصرّ على ألا يلتزم بفترة انتقالية لا محدودة ولا محدّدة. ولا يوجد في الفصل 80 من الدستور ما يفرض على الرئيس أن يتقيّد بأي فترة زمنية. وأشار إلى ما ردّده قيس سعيد بأن الديمقراطية التمثيلية انتهت في العالم، لكن يرى الباحث في الواقع أنّ كل النظم الديمقراطية ما زالت تعتمد هذا النظام، على الرغم من أنه محلّ الكثير من الانتقادات من مثقفين وجمعيات مدنية، متسائلاً: هل ينبغي أن يُنظَر خارج الغرب، إلى روسيا – مثلاً - حيث النظام ليس ديكتاتورياً كما في العهد الشيوعي، لكنه أيضاً ليس ديمقراطياً على الطريقة الغربية؟

بينما تناولت دراسة منذر بالضيافي أزمة الثقة التي لا تزال تميز علاقاتهم (الإخوان) بالعديد من قوى المجتمع، خصوصاً النخب، ما يجعلهم مطالبين بتفنيد كل المخاوف عبر التعاطي بإيجابية وبتفاعل عقلاني مع المجتمع التونسي، من خلال الانتصار إلى «إسلام تونسي» يأخذ في المقام الأول خصوصية التجربة التحديثية التونسية، التي تعود إلى حركة الإصلاح في القرن التاسع عشر، وتعد دولة الاستقلال استمراراً لها. كذلك العمل من أجل التأسيس لتوافق بين هوية المجتمع وعلمانية الدولة، والابتعاد عن الأخطاء القاتلة التي طبعت تجارب حكم الإسلاموية.

أحمد نظيف يرى أن «التمكين» في المشروع الإخواني يأخذ موقعاً تتويجياً في البعد الخلاصي لهذه السردية، ذلك أنه منتهى آمال وجهود عمل الجماعة، سواءً كان جزئياً، أو كلياً بكل ما يعنيه من سيطرة على السلطة والثروة والمجتمع. وفي هذا الشأن لا تختلف الجماعة كثيراً عن بقية التيارات الخلاصية يساراً ويميناً. وفي تونس، لم يكن فرع الجماعة شاذاً عن القاعدة الإخوانية في سلوك مشروعه الخاص للتمكين، الذي شهد – بدوره - تحولات جذرية طبعتها التحولات التاريخية والسياسية التي عاشتها البلاد، منذ نشأة «الإخوان» نهاية الستينات حتى اليوم، حيث انطلقت الجماعة في مسار طويل من محاولات تقويض الدولة القائمة وإعادة بنائها وفقاً لمشروعها الآيديولوجي، إلا أن تلك المحاولات فشلت جميعها، لينتهي التنظيم الإسلاموي إلى الشتات مع بداية التسعينات. لكن مع عودتها إلى الفعل السياسي العلني والمباشر، في أعقاب سقوط نظام زين العابدين بن علي، سلكت الجماعة الإخوانية التونسية مسلكاً جديداً في تنفيذ مشروع التمكين، لا يقوم على تقويض الدولة وإعادة بنائها، بل على الدخول ضمن المصالح المشتركة للطبقات السائدة، ومحاولة الاستيلاء على الدولة من خلالها.

وقد دأبت في هذا الاتجاه على سلوك مسلكين هما: بناء حزام نخبوي نافذ، وبناء شبكات اقتصادية قوية. غير أن لحظة 25 يوليو 2021، نسفت كل هذه الخطط، لتعيد قرارات الرئيس قيس سعيد، الجماعة إلى نقطة الصفر.

بينما ناقش أسامة سليم - كاتب وصحافي تونسي - في دراسته، جدلية أحزاب الإسلام السياسي عموماً وحركة النهضة خصوصاً، بالتركيز على الجماعة وخزّانها الانتخابي، حيث انطلقت جذور الحركة من الأحياء الشعبية والمناطق الداخلية، التي كان المنتسبون إليها من ذوي الدخل المحدود والفئات الهشّة، أصبحت قياداتها من أثرى أثرياء تونس. يقول عبد الفتاح مورو، أحد قادة حركة النهضة، خلال إحدى الحملات الانتخابية في الجنوب التونسي بالانتخابات الرئاسية السابقة سنة 2019: «والدتي هي عاملة خياطة، ووالد راشد الغنوشي عامل بناء، وعلي العريض والده كان عاملاً يومياً، نحن فقراء وأبناء فقراء، وهذه الحركة حركة فقراء». وعلى الرغم من أن تصريح مورو كان صحيحاً، فهو يختزل جزءاً فقط من الصحّة، حيث إنّ ثراء قيادات الحركة ازداد خلال فترة وجيزة فقط بعد الثورة، وكان هذا الثراء على حساب عديد من المنخرطين والمناضلين الذين استثمرت الحركة في مظلمتهم ومآسيهم وتخلت عنهم، وما غضب القواعد والشعب من الحركة إلا تأكيد على نهاية الحركة أو اقترابها من النهاية.

الخلاصة؛ أن الحكم على الغنوشي لا يعني نهاية حركة النهضة، ولا ضمور «الإخوان» في تونس، وفي حديثٍ مع صديقةٍ كانت تعمل داخل حزب النهضة قبل أن تنقلب عليهم، فإن الحركة تعتمد كثيراً على الغموض، والضمور، وادعاء الانكسار في كثيرٍ من الأحايين، بل ويتم توجيههم بذلك، إن هذه الحيل الحركيّة يجب ألا تنسينا الأفكار التنظيمية العالية المتحوّرة لدى تنظيم «الإخوان»، وهذا يجب علينا وعلى المتابعين الوعي به، كما على الحكومات أن تستعد لأي موجات إسلاموية غادرة... ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما بعد الغنوشي وسياسات حزب النهضة ما بعد الغنوشي وسياسات حزب النهضة



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

ياسمين صبري تتألق في رحلة صيفية بإطلالات أنثوية وألوان جريئة

القاهرة - صوت الإمارات
جمعت النجمة ياسمين صبري في رحلتها الصيفية بين هدوء الريفييرا اليونانية ونبض العاصمة الماليزية كوالالمبور، مُقدّمة خزانة ملابس متنوعة اعتمدت فيها على التنوع في القصّات والألوان بما يتناسب مع طبيعة كل وجهة سياحية، حيث تنقلت بين اختيارات أنثوية حالمة وألوان صيفية نابضة وتصاميم عصرية. وشهدت إطلالات اليونان تركيزاً على التصاميم الأنثوية الهادئة، إذ ظهرت بفستان أبيض طويل من قماش الدانتيل المخرّم مع حمالات رفيعة وتطريزات دقيقة انسجمت مع الأجواء المتوسطية، ثم انتقلت إلى جمبسوت كحلي أنيق بتصميم مكشوف الكتفين وسروال واسع لإطلالة راقية، بالإضافة إلى فستان طويل مطبع بالورود الملونة بأسلوب الملتف عند الصدر والخصر. أما في كوالالمبور، فتنوعت خياراتها لتصبح أكثر جرأة وعصرية؛ إذ ارتدت فستاناً أحمر قصير بتصميم الملتف مع حذاء مسطح وحق...المزيد

GMT 20:41 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

تستفيد ماديّاً واجتماعيّاً من بعض التطوّرات

GMT 19:29 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العقرب السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 18:08 2018 الثلاثاء ,27 شباط / فبراير

ميلانيا ترامب تخطف الأنظار في فستان أسود طويل

GMT 07:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

العالم الهولندي يتوقع حدوث خامس أضخم زلزال خلال 20 عامًا

GMT 03:54 2020 الثلاثاء ,21 كانون الثاني / يناير

زيت الورد لتغذية فروة الرأس والشعر

GMT 03:23 2020 الجمعة ,10 كانون الثاني / يناير

علاج الزبادي والخل لتنعيم القدمين ولإزالة القشور

GMT 19:06 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

حاكم دبي يفتتح معرض "دبي الدولي للطيران 2019" بمدينة المعارض

GMT 17:26 2019 الخميس ,24 تشرين الأول / أكتوبر

عمر خيرت يحيي حفلا في العاصمة الإدارية الجديدة

GMT 08:25 2019 الأربعاء ,29 أيار / مايو

ميلانو يعلن رحيل مدربه غاتوسو بالتراضي

GMT 01:57 2019 الثلاثاء ,08 كانون الثاني / يناير

أفكار مدهشة لاستغلال ديكور مدخل المنزل

GMT 14:43 2018 الأربعاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

مغربية مغتصبة تحثُّ الفتيات على مقاومة الاعتداءات الجنسية

GMT 15:57 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

إليكِ أفضل العطور النسائية الجذابة من " جيفنشي"

GMT 23:06 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

أماكن مثيرة لوضع التاتو للتجديد في العلاقة الحميمة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates