الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية

الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية

الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية

 صوت الإمارات -

الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية

بقلم: وليد خدوري

ثمة سؤال يتردد عند المواطنين شرقاً وغرباً عند اندلاع الحروب الحديثة... ما هو السعر الأعلى الذي ستستقر عليه أسعار النفط، وما تأثيره السعري على الاستقرار الاقتصادي والتضخم؟

معروف أن النفط هو السلعة الاقتصادية الأوسع المتعامل بها عالمياً؛ كما أنه سلعة مشاركة في معظم أوجه الحياة الاقتصادية العالمية.

وتكمن أهمية النفط في كونه مصدراً رئيساً للطاقة ووقوداً أساسياً لقطاع النقل؛ ما يجعل تقلبات أسعاره تمتد إلى تكلفة شحن البضائع بين القارات، ومن ثم إلى أسعار السلع والخدمات المتداولة في الأسواق العالمية، سواء المصدّرة أو المستوردة.

لذلك؛ كثيراً ما يُعزى ارتفاع الأسعار في الأسواق إلى النفط عند اندلاع الحروب الحديثة، وهو تفسير يحمل قدراً من الصحة، وإن كان يتعرض أحياناً للمبالغة. غير أن تأثير النفط في الأسعار لا يكون متساوياً في كل حرب؛ إذ تختلف طبيعة الصدمات ومدى انتشارها من نزاع إلى آخر، كما تتباين سرعة انتقالها إلى التضخم بين منطقة وأخرى، تبعاً لدرجة الاعتماد على النفط ومصادر الطاقة البديلة وطبيعة سلاسل الإمداد.

ونأخذ هنا، على سبيل المثال، حربين شهد عام 2026 تداعياتهما على الاقتصاد العالمي: الحرب بين إيران والولايات المتحدة، واستمرار الحرب الروسية - الأوكرانية. ورغم الفوارق الواسعة بين النزاعين من حيث أطرافهما وطبيعتهما ومسرحهما الجغرافي، فإن كليهما يجري في بيئة دولية معقدة تتداخل فيها مصالح قوى كبرى، وتمتد تداعياتهما إلى أسواق الطاقة والتجارة والاقتصاد العالمي.

وفي كلتا الحالتين، تبرز الصين بوصفها قوة كبرى ثالثة تحاول كل من الولايات المتحدة وروسيا الحفاظ على مساحة للتقارب معها؛ نظراً إلى ثقلها الاقتصادي والجيوسياسي المتزايد. وفي الوقت الذي تنشغل فيه بكين بترسيخ تحول اقتصادي وتاريخي واسع في مسار اقتصادها، فإنها تحرص على تجنب الانخراط المباشر في النزاعات العسكرية الكبرى، وتفضل إدارة خلافاتها الدولية ضمن حدود لا تعرقل أولوياتها الاقتصادية والتنموية. وينطبق ذلك، بدرجات متفاوتة، على ملف تايوان، الذي يمثل أحد أكثر مصادر التوتر حساسية في علاقات الصين الدولية، في ظل مطالبة بكين بضم الجزيرة ورفض تايوان ذلك منذ عقود.

نبدأ بالحرب الروسية - الأوكرانية، التي اندلعت في أواخر فبراير (شباط) 2022. وأوكرانيا، وهي دولة صناعية كبرى كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي، تتمتع بموقع مهم في شبكة نقل الطاقة الروسية إلى أوروبا؛ إذ تمر عبر أراضيها خطوط رئيسة لنقل النفط الروسي إلى الأسواق الأوروبية.

وخلال السنوات التي سبقت الحرب، سعت كييف إلى زيادة رسوم العبور التي تتقاضاها مقابل نقل النفط الروسي إلى أوروبا، وهو ما عارضته موسكو بشدة. ولم يكن الخلاف يتعلق برسوم العبور وحدها، بل ارتبط أيضاً بمسألة أسعار الطاقة داخل البلدين؛ إذ كانت روسيا قد أبقت أسعار النفط والوقود للمستهلكين المحليين عند مستويات مدعومة نسبياً بعد انهيار النظام الشيوعي؛ ولذلك رأت موسكو أن أي خفض إضافي في رسوم العبور قد يمنح أوكرانيا، بصورة غير مباشرة، ميزة سعرية مقارنة بالمستهلك الروسي.

واستمر هذا الخلاف حول رسوم العبور وأسعار الطاقة لسنوات، ليصبح واحداً من ملفات التوتر الاقتصادي المتراكمة بين البلدين قبل اندلاع الحرب.

ولمحدودية نطاق الصراع في أوروبا الشرقية، كانت آثار الحرب محدودة نفطياً، في حين تأثرت أسعار الغاز في السوق الأوروبية، خصوصاً خلال فصلي الشتاء البارد والصيف الحار. واستطاعت الدول الأوروبية تقليص الضغوط الطاقوية عليها باللجوء إلى الطاقات المستدامة، ولا سيما أن لديها طاقة نووية واسعة، خصوصاً في فرنسا، التي صدّرت الكهرباء إلى الدول الأوروبية المجاورة للمساعدة في توليد الكهرباء.

كما لجأت أوروبا إلى الطاقات المستدامة، لكن أوروبا، كغيرها من المناطق مثل الصين، كانت تمر بمرحلة مهمة وضخمة تتمثل في استبدال الفحم، وهو المصدر الأكبر لتلوث البيئة، بالغاز، وهو مصدر هيدروكربوني أقل تلوثاً.

كما أعلنت دول السوق الأوروبية مقاطعة النفط الروسي، الذي كان يمثل عماد إمداداتها النفطية، وكان يصل إليها عبر واحدة من أضخم شبكات النفط في العالم. وقررت أوروبا، ولا تزال، مقاطعة النفط والغاز الروسيين.

وكانت أوروبا السوق الكبرى للنفط الروسي، فأدت هذه المقاطعة إلى زيادة العبء على أوروبا في الحصول على الغاز، بالذات خلال فصل الشتاء؛ ما رفع أسعاره في أوروبا، وانعكس ذلك أيضاً على الأسعار عالمياً.

ضغطت الحرب الأوكرانية والمقاطعة الأوروبية للنفط الروسي على أوروبا لبدء التفكير في مصادر غازية جديدة. فحتى نشوب حرب أوكرانيا، كان معظم تصدير الغاز إلى أوروبا يتم عبر طريقين: الغاز المسال المشحون على ناقلات متخصصة إلى الدول الأوروبية الجنوبية، في حين كانت روسيا تزود دول أوروبا الشمالية بالغاز عبر شبكة الأنابيب الضخمة. وكانت دول أوروبا الجنوبية تستورد الغاز أيضاً عبر أنابيب تمر تحت البحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى الغاز المصدر من قطر ودول بحر قزوين، وطبعاً الغاز الروسي.

وتتبلور الآن صيغة جديدة لمصادر الطاقة في السوق الأوروبية، ويأتي في مقدمتها زيادة الاعتماد على الغاز، وبالذات من خلال توسيع مصادره لتشمل قطر، وروسيا، وأميركا الشمالية، أي الولايات المتحدة وكندا، وشمال أفريقيا، وبحر قزوين، وإيران، وشرق وغرب أفريقيا.

ويبقى السؤال الأهم أمام أوروبا مستقبلاً، بعد انتهاء حرب أوكرانيا: هل سيحل الغاز كمصدر الطاقة الرئيس لأوروبا؟ والجواب على ذلك يبدو واضحاً تقريباً، بالذات بعد محاولة أوروبا إنهاء استخدام الفحم.

لكن تبقى أمام أوروبا أسئلة ملحة: هل يمكن فعلاً إنهاء المقاطعة بعد حرب أوكرانيا؟ وهل ستستطيع أوروبا التغاضي عن الكميات الضخمة من الغاز المسال التي جرى تجهيزها للتصدير من أميركا الشمالية، الولايات المتحدة وكندا، ناهيك عن قطر؟

ومن المتوقع، في ظل الاعتماد الأوروبي الواسع على الغاز بديلاً للفحم، أن تنشب منافسة اقتصادية بين روسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

من جهة أخرى، فإن حرب إيران بدأت تتحول إلى معركة مضيق هرمز، مع العلم أن الأهداف الرئيسة للهجوم الأميركي - الإسرائيلي كانت أبعد من المضيق.

لكن يبقى من الطبيعي استمرار الضغوط على أسواق النفط وارتفاع معدلات التضخم.

فكما هو معروف من خلال التجارب الحديثة، فإن بداية الحرب ليست كنهايتها، وما تجربة العراق إلا شاهد حي على ذلك لا يزال ماثلاً أمامنا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية الحروب الحديثة وآثارها على التضخم والصناعة النفطية



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:54 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 18:01 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 04:43 2019 الجمعة ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مايك شوماخر يبقى مع بريما لموسم جديد في فورمولا-2

GMT 06:46 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

طريقة عمل طاجن أرز بالحليب والمكسرات

GMT 21:26 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 00:15 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

خلاصات الرسالة الملكية للرياضة 2

GMT 07:12 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

اكتشاف دلائل على أكل البشر بعضهم لبعض داخل كهف غامض

GMT 09:02 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

اختراق حسابات تويتر على فيسبوك وماسنجر

GMT 02:31 2018 الأربعاء ,09 أيار / مايو

آبل تستبدل بعض هواتف "iPhone X" التي تعاني من مشاكل

GMT 12:04 2017 الجمعة ,03 آذار/ مارس

عبد الرقيب فتح يكشف عن انتهاكات "الحوثيين"
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates