الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة

الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة

الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة

 صوت الإمارات -

الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة

بقلم :حازم صاغية

في تشهيرهم بمعارضي «حزب الله» يردّ الممانعون اللبنانيّون مواقف المعارضين إلى أصول مزعومة. فـ«الخيانة» و«الانعزاليّة»، بالتالي، ليستا من بنات اليوم، بل ترتكزان إلى قوى لم تتوقّف عن ممارسة «الخيانة» و«الانعزاليّة».

وكان الأشدّ تنغيصاً في معارضي الممانعة، بحسب أجداد الممانعة وأحفادها، أنّهم لا يلتزمون روايتها عن العالم وعن النفس. فهم لا يخوضون معارك الممانعين وحروبهم جيلاً عن جيل، والتي تُتوّجها الكوارث، ولا يتبنّون عقائدهم وشعاراتهم التي اتّضح مبكراً أنّ الصدأ يتهدّدها. وليس في التاريخ الحديث، أقلّه منذ مطالع القرن العشرين، ما وجدوه مشجّعاً على الاندماج في مشاريعهم البائسة، لا سيّما أنّ التشهير وإنكار الخصوصيّات كانا ذبحاً رمزيّاً يعدهم بذبح فعليّ قادم.

وأجداد الممانعين، كما أحفادهم الحاليّون، تجاهلوا حقيقة أن الإلحاح على الخروج عن «الإجماعات الثوريّة» يرتكز إلى عقلانيّة خاصّة به تبرّر له استثنائيّته. ذاك أنّ الأمر لا يعدو كونه جوهراً رديئاً مستحيل العلاج.

والاستثناء ليس اختراعاً حديثاً، بل هو حاضر في إدراك صانعي السياسات منذ متصرفيّة جبل لبنان في ستينات القرن التاسع عشر. فالمتصرّفيّة تلك كانت إقليماً عثمانيّاً يتمتّع بحكم ذاتيّ، مع إدارة محلّيّة وقيود على تدخّل السلطة المركزيّة.

صحيح أنّ جبل لبنان لم يتفرّد، في العهد العثمانيّ، بهذه المعاملة، إذ أحرزت جزيرة كريت وشرق الروملّي مثلاً معاملة مشابهة. إلاّ أنّ مكوّنات النظام الذي قام في الجبل، واستمرّ 57 عاماً، كانت الأشدّ نضجاً واكتمالاً. فالحاكم مسيحيّ عثمانيّ، توافقُ القوى الأوروبيّة على تعيينه، ويساعده مجلس محلّيّ يمثّل الطوائف الدينيّة، ومعه إدارة داخليّة واسعة الصلاحيّات، ولديه خصوصيّةٌ ماليّة وإداريّة، فيما يتمتّع الحكم بسلطة تلجم تدخّل الوالي العثمانيّ.

وبصيغة أخرى تكرّر الأمر مع ضمانات فيصل بن الحسين لجبل لبنان. فهو، وإن رفض فكرة «لبنان الكبير» واستقلاله أقرّ، عبر «المؤتمر السوريّ»، بأنّ استقلال سوريّة يحترم التطلّعات الوطنيّة اللبنانيّة، وأبدى استعداده للاعتراف بخصوصيّة واسعة داخل سوريّة العربيّة. ففي وسع جبل لبنان الحصول على حكم ذاتيّ بحدوده السابقة للحرب العالميّة، شرط ألاّ يخضع لحكم أجنبيّ. وذهب فيصل أبعد في مفاوضاته السرّيّة مع الفرنسيّين، فقبِل بانتداب فرنسيّ على الجبل مقابل حصوله على ضمان كامل لاستقلال سوريّة. وكان هذا جزءاً من اتّفاقه، مطالع 1920، مع جورج كليمنصو، رئيس حكومة فرنسا.

وعندما استقلّ لبنان في 1943، وبات الموضوع يتعدّى المتصرّفيّة إلى «لبنان الكبير»، كان «الميثاق الوطنيّ» الذي صاغه خطاب شهير لبشارة الخوري، رئيس الجمهوريّة، وبيان وزاريّ أشهرُ صدر عن حكومة رياض الصلح. والصيغة الجديدة، كما بات معروفاً، قوامها التخلّي عن طلب الحماية الفرنسيّة، مقابل التخلّي عن السعي إلى إلحاق لبنان بسوريّة. وهذه التسوية هي معنى البلد الناشئ كدولة مستقلّة ونهائية بحدوده القائمة.

وجاء الامتحان الأوّل، وربّما الأكبر، مع مداولات إنشاء جامعة الدول العربيّة. ففي المفاوضات التي مهّدت لصدور «بروتوكول الإسكندريّة»، عام 1944، تمسّك لبنان بموقف يجمع بين تأييد التضامن والتقارب العربيّين والإصرار على جامعة تكون جامعة دول مستقلّة ذات سيادة. وفي مواجهة مشاريع «سوريّة الكبرى» لعبد الله بن الحسين، و«الهلال الخصيب» لنوري السعيد، كان رياض الصلح رأس الحربة، فهدّد مرّةً بالانسحاب من مفاوضات تناقض «جوهر الاستقلال الذي قامت عليه الصيغة اللبنانيّة». وفعلاً لحظ بروتوكول الإسكندريّة هذه الحساسيّة فسجّل في بنده الرابع: «تؤيّد الدول العربيّة الممثّلة في اللجنة التحضيريّة مجتمعة احترامها لاستقلال لبنان وسيادته بحدوده الحاضرة».

واحتُرم التوكيد نفسه في مفاوضات القاهرة المفضية إلى ميثاق الجامعة العربيّة، فجاء الميثاق في مادّته الثامنة يُلزم كلّ دولة عضو باحترام نظام الحكم في الدول الأخرى بوصفه شأناً داخليّاً.

وهذا ما كان متاحاً قبل صعود جماعات «التحرّر الوطنيّ»: ضبّاط الانقلابات العسكريّة أوّلاً، ثمّ الميليشيات المسلّحة، مصحوباً بالرهان الدائم على تحوّلات التوازن السكّانيّ والتهديد بالقوّة التي يوفّر الجوار المأزوم أدواتها الناريّة.

فالنزاعات التي عرفها تاريخ البلد، منذ 1958، لم تكن إلاّ نتاج الإخلالات بتلك التفاهمات، والإخلالُ لم يكن إلاّ نتاج الأخذ بنظريّات صراعيّة ونضاليّة وعنيفة وُلد لبنان أصلاً بالانفصال عنها.

وهكذا كان الاستثناء، قياساً بسرديّات «التحرّر الوطنيّ» في سائر أنواعه، وسائر حروبه، أساساً للوطنيّة اللبنانيّة، لا خيانة لها.

والحال أنّه منذ نشأة «حزب الله» صار العنوانُ المهيمن على الخلاف طلب العيش في ظلّ دولة، لا في ظلّ ميليشيا، وفي وطن، لا في قضيّة، كائنة ما كانت القضيّة. ذاك أنّ العيش في قضيّة هو العيش في اللامكان واللامعيار، حيث الناهب ينهب والقاتل يقتل والمتدخّل الخارجيّ يتدخّل، فيما ترقى المساءلة إلى ضرب من الاستحالة. أمّا آخر الأمثلة فأتانا من رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيّين محمد باقر قاليباف، معلناً أنّه على تواصل بمقاتلي «حزب الله» على الخطوط الأماميّة في الجنوب اللبنانيّ، وهذا بعدما نوّرنا بإيضاح أنّه «منخرط في شؤون لبنان منذ 1985».

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة الاستثناء والاختلاف عن الممانعة هما الوطنيّة اللبنانيّة



GMT 17:00 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

إميل حبيبي

GMT 16:59 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

شطرنجيات بقائي

GMT 16:58 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

«اتفاقية مكة»... نضج استراتيجي إقليمي

GMT 16:56 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

سياسات نفطية

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

الرياض وباريس... قرنٌ من الشراكة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

واشنطن و«حزب الله»... ملاحقة كاشفة

GMT 16:53 2026 الثلاثاء ,25 آب / أغسطس

بين لبنان النموذجي و«المناطق النموذجية»

ليلى زاهر تستقبل طفلتها الأولى وتلهم الحوامل بإطلالات راقية

دبي - صوت الإمارات
شاركت النجمة المصرية الشابة ليلى أحمد زاهر متابعيها خبر استقبال مولودتها الأولى "إيلا" من زوجها المنتج هشام جمال، لنستعرض أبرز إطلالاتها الملهمة خلال مرحلة الحمل، والتي اتسمت بالرقي ومواكبة الموضة بأسلوب ناعم يبرز أنوثتها ووقارها. تألقت ليلى في ظهور إعلامي برفقة زوجها بفستان انسيابي بقصة "درابيه" واسعة من توقيع دار "لويس فويتون"، تميز بكسرات خفقت ملامح قوامها وطبعات ورود باهتة بلون السيمون، ونسقت معه حقيبة مطابقة وتسريحة ذيل حصان عالٍ. وفي أول إعلان رسمي عن حملها تحت الأضواء خلال مشاركتها في مهرجان كان السينمائي، استعرضت حملها بفستان سهرة أبيض محدد القوام من تصميم رامي قاضي، جاء بأكمام طويلة وأطراف مزينة بطبقات الريش المتدرجة مع ذيل خلفي طويل. وحافظت النجمة الشابة على أسلوبها الناعم في مناسبات السهرة باخ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 01:44 2020 الأربعاء ,15 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدرهم الاماراتى مقابل الريال سعودي الثلاثاء

GMT 09:20 2019 الخميس ,31 تشرين الأول / أكتوبر

راشد النعيمي يعزي في وفاة خميس السويدي

GMT 10:25 2021 الثلاثاء ,07 أيلول / سبتمبر

أبراج تدعمك وتقف بجانبك في المواقف الصعبة

GMT 20:19 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

موانئ دبي العالمية تطلق شركة جديدة للخدمات اللوجستية

GMT 11:27 2019 السبت ,14 كانون الأول / ديسمبر

تفاصيل شخصية مي عمر في مسلسل "الفتوة" مع ياسر جلال
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates