عن الانتصار والهزيمة والخوف من الانقراض

... عن الانتصار والهزيمة والخوف من الانقراض!

... عن الانتصار والهزيمة والخوف من الانقراض!

 صوت الإمارات -

 عن الانتصار والهزيمة والخوف من الانقراض

بقلم :حازم صاغية

من ينتظرون صدور نقد ممانِع يطال حرب «حزب الله»، وأسباب هزيمته فيها، أو مجرّد إقرار بها، سوف يخيب انتظارهم على ما يبدو. فرغم كارثيّة ما حصل، لا يزال «إعلان الانتصار» العنوانَ السائد على تلك الجبهة. أمّا الحجّة الأبرز، والأشدّ تكراراً، في البرهنة على ذاك «الانتصار» المتشاوف فأنّ الإسرائيليّين «لم يستطيعوا القضاء على المقاومة».

والحال أنّ هذا التوكيد إنّما يوحي بخوف عميق من الانقراض تتمّ مداراته بتوكيد البقاء على قيد الحياة والقول: لا نزال هنا. ومردّ الخوف هذا إلى أسباب كثيرة ربّما كان على رأسها ذاك الانتقال السريع والكبير الذي عرفه مسار الشعارات والوعود. فمنذ 7 أكتوبر 2023، رفع الممانعون عناوين تتراوح بين «تبييض السجون» كحدّ أدنى و»تحرير فلسطين» كحدّ أقصى. وفي مروحة الطموحات العريضة هذه بدا «الانقراض» احتمالاً كبيراً يطرحه الممانعون على الإسرائيليّين. فكيف وأنّ الأخيرين، كما قيل لنا مراراً، غير متعلّقين بأرض فلسطين، مستعدّون للفرار منها هرباً من الضربات التي كالتها لهم المقاومة وسوف تكيلها؟

وجاءت المقاربة هذه تنسجم تمام الانسجام مع تراث بات ينطوي على انتصارات وُصفت بالملحميّة والإلهيّة حقّقها «الحزب» في 2000 و2006، تراثٍ أرشدنا إلى أنّ الدولة العبريّة «أوهن من بيت العنكبوت»، وأنّ «زمن الهزائم ولّى»، فبدا أنّ عدوّ «حزب الله» هو الذي استوفى شروط توجّهه نحو انقراضه المحتوم.

بمعنى آخر، تتحرّك الحرب، وفق اللوحة التي رسمتها لها الممانعة، بين انتصار كاسح وهزيمة كاسحة، أي بين انقراضين اثنين لا بدّ أن يتحقّق أحدهما. ولإقناع بيئة ربّما اهتزّ يقينها بتصوّرات كتلك، ضمّ الأمين العامّ الجديد قاسم نعيم صوته الذي لا يُقنع إلاّ من وُلد مقتنعاً.

ثمّ إنّ الإسرائيليّين، كما قد تمضي الرواية الضمنيّة، لا بدّ أن يمتلكوا حيال «الحزب» المشاعر نفسها التي يمتلكها «الحزب» حيالهم. وهذا ما تعزّزه الفكرة التي انتشرت ومفادها أنّ الدولة العبريّة كانت ستهاجم بـ 7 أكتوبر و»حرب إسناد» أو من دونهما، وبالتالي يغدو البقاء على قيد الحياة بذاته انتصاراً.

وبالطبع فإنّ المعنى التاريخيّ يغادر «الانتصار» و»الهزيمة» في سياق إفنائيّ كهذا، إذ ليس الانتصار مقدّمة يُبنى عليها تقدّم أو ازدهار أو تحرّر، وليست الهزيمة حدثاً يتعلّم منه المهزومون ويستفيدون من دروسه.

والرواية هذه عن الحرب، بوصفها انتصاراً وهزيمة كاسحين، إنّما هي رواية عن الحياة نفسها، وعن الحياة كلّها. فالأخيرة تُختزل أهدافها، وهي كثيرة جدّاً كما يُفترض، في «قتال العدوّ»، كما تُلخّص مشاعرها وهمومها، وهي غنيّة جدّاً، في انتصار وهزيمة. أمّا المشاعر الأخرى فيُعاد تدويرها وصَوغها بحيث تغدو مجرّد امتداد لهذين الهزيمة والانتصار اللذين يلفّان الحياة.

ومع انتهاء المواجهة الحربيّة قبل أيّام، كان لا بدّ أن يستمرّ الإصرار على «أنّنا انتصرنا»، وذلك استناداً إلى مشاهدات وأقوال جزئيّة أو منزوعة من سياقها. ذاك أنّنا حين نجعل الحياة مساوية للانتصار، يغدو إقرارنا بالهزيمة نوعاً من تزكية الانتحار، أو انسحاباً من الحياة ذاتها. وهذا بالضبط ما كانَه خيار ضبّاط يابانيّين وألمان عند انتهاء الحرب العالميّة الثانية ممّن بالغوا في التأكيد على أنّ الانتصار يعادل حياتهم، وأنّ من دونه لا يبقى سوى الموت.

ولحسن الحظّ، فإنّ العالم ليس فقيراً وجديباً إلى حدّ تلخيصه بانتصار وهزيمة. وهكذا فحين يتوقّف القتل والقتال تنتصب مفاجأتان كبريان في مواجهة أصحاب تلك الرواية: أنّ النتائج بمعطياتها ووقائعها ووثائقها الموقّعة تأتي بعيدة جدّاً ممّا توقّعوه، أو قالوا إنّهم يتوقّعونه، وأنّ الواقع السائل والمعقّد ذا الأوجه العديدة يباشر الانتقام لنفسه بأن يتجاوزهم ويعزلهم، إن لم يكن كأشخاص وأحزاب فكأفكارٍ عملت على تلخيصه وأمعنت في إفقاره. فمن كان لا يملك إلاّ السلاح، ولا يتباهى إلاّ به، سيلقي به جانباً استئنافُ دورة الحياة بما تختزنه من ثراء وأفعال ومبادرات.

بيد أنّ فضيحة هذه الرواية الانتصاريّة هي اقترانها بأفعال لا يقدم عليها المنتصرون فعلاً، كالشعور بالضيق وانفلات الشتم والتشهير ونعي الكون ولعن الحياة. فالذي يهبّ علينا اليوم من ضفّة الممانعة وصفُ تلك الرداءة الشاملة التي توالي الزحف علينا، إذ الفاسدون والمُفسدون وعملاء العدوّ وصغار النفوس سوف يتحكّمون، بعد اليوم، بكلّ شاردة وواردة على وجه البسيطة.

ولقائل أن يقول إنّ الانتصار والهزيمة يُفترض أن يكونا ظاهرين لا حاجة لكلّ هذا الجهد من أجل البرهنة عليهما. إلاّ أنّ الأمر لا يعود بهذه البساطة حين يكون الشعور بالهزيمة عميقاً عند أصحابه إلى هذا الحدّ، ويكون اشتهاء الانتصار عندهم قويّاً إلى هذا الحدّ. وإسرائيل المجرمة وذات الاستعداد الهمجيّ الخصب تستحقّ بالطبع أن نكرهها، لكنّها لا تستحقّ أن نمنحها الحقّ في إفقار أنفسنا ونزع كلَّ صدقيّة عنها، فنغدو كائنات مُفرّغة لا ترى في الكون إلاّ انتصاراً وهزيمة تحصد هي أوّلَهما ويُترك لنا الثانية.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 عن الانتصار والهزيمة والخوف من الانقراض  عن الانتصار والهزيمة والخوف من الانقراض



GMT 23:55 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

المجتمعات تتغير!

GMT 23:54 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

البابا تواضروس... كل سنة وأنت طيب

GMT 23:53 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

للبذاءة جمهور يحميها!

GMT 23:52 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

التجديد النصفي واتصال الشارع

GMT 23:50 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

السفير الوحيد

GMT 23:49 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ثم ماذا بعد ؟

GMT 23:48 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

أغلفة الكتب

GMT 23:47 2026 الخميس ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ذكرى العدوان الثلاثى!

البناطيل الأنيقة تسيطر على إطلالات رحمة رياض في السهرات

بغداد - صوت الإمارات
تتجه الأنظار في عالم الموضة النسائية نحو خيارات غير تقليدية لأزياء السهرة، حيث تفضل بعض النجمات كسر روتين فساتين السهرة التقليدية واعتماد تصاميم البناطيل الأنيقة التي تجمع بين الأناقة الكلاسيكية واللمسات الكاجوال العصرية. وتبرز في هذا المجال خيارات النجمة العراقية رحمة رياض، التي تألقت بمجموعة من الإطلالات المميزة التي تناسب الحفلات والسهرات الرسمية. وخطفت رحمة رياض الأنظار في أحدث حفلاتها الغنائية باختيار زي أنيق باللون الأسود، تضمن بنطال شارلستون واسع الأرجل بخصر عالٍ، منسقاً مع كورسيه ضيق وموحد اللون. وأضفت النجمة لمسة مرحة ولافتة على القطع البسيطة من خلال ارتداء جاكيت مريح بسحاب أمامي وحواف مطاطية، والزي مزين بنقوشات مرصعة بالخرز الملون. وأكملت أناقتها بشعر داكن بخصلات مالسة، وقبعة ملفوفة، مع أقراط وخواتم ذهبية Ù...المزيد

GMT 00:04 2026 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030
 صوت الإمارات - الصين تستهدف هبوط أول روادها على القمر بحلول 2030

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية

GMT 16:36 2018 الثلاثاء ,17 إبريل / نيسان

تجنبي تلك الأخطاء في تصميم ستائرغرف نوم المنازل

GMT 18:45 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

أدوار مراكز التفكير ومهامها

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أسباب فقدان تركيز طفلك أثناء فترة الدراسة؟

GMT 18:45 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates