في هجاء «كورونا»

في هجاء «كورونا»...

في هجاء «كورونا»...

 صوت الإمارات -

في هجاء «كورونا»

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

قبل أن تكون قاتلة، هي جرثومة مُهينة. لنتذكّر وقتاً غير بعيد، استعاد فيه شبّان الثورات العربيّة وشابّاتها بيت أبي القاسم الشابيّ:

«إذا الشعب يوماً أراد الحياة
فلا بدّ أن يستجيب القدر».
كانوا يقولون إن في وسعهم أن يفعلوا أي شيء. أنّهم، هم أيضاً، بروميثيوسيّون، يسرقون النار من الآلهة ويعطونها للبشر فتكون حضارة.
«كورونا» جعلتهم يصرفون وقتاً طويلاً وهم يغسلون أيديهم. يبحثون عن سوائل تطهير. أين الصابون؟ خزّنوا ورق التواليت. المهمّ أن نكون معقّمين. أن نتنصّل من العالم.
«كورونا» قالت لنا إنّ السقف منخفض، وعلينا أن نخفض الرأس أكثر. جرحتْ نرجسيّة البشر واعتدادهم بذواتهم. أكّدت لهم هشاشة العالم الذي صنعوه، وأنّ إنجازاتهم في العلوم والطبّ قابلة للتفادي. قالت لمن ظنّوا أنّ العالم بلا حدود: اجلسوا في البيت. العالم هو البيت.
بانقضاض «كورونا»، انقضّ علينا جانب معتم من إنسانيّتنا، جانبٌ يتململ كلّما أضاءت هذه الإنسانيّة. مقابل سعيها للتوحيد والتوسّع، يكشّر العزل عن أنيابه. مقابل اتّجاهها إلى نزع السحر عن العالم يهاجمنا السحر. مقابل الافتخار الإنسانيّ، تُذلّنا الطبيعة.
والوباء، أي وباء، ربّما كان أقلّ الفرسان الأربعة، هو والموت والحرب والجوع، قدرة على التوقّع، وحيال ما يصحبه من غموض نزداد انغلاقاً على وحدتنا. التواصل الذي يبدأ بالمصافحة، ومنها ينشأ التعارف والمعرفة، وربّما الصداقة والودّ، يستدعي الزجر. حتّى يدك نفسها إذا ما ضلّت وصافحت غدتْ عدوّاً لك لا بدّ من تطهيره.
التواصل، عبر المطارات والمرافئ، سبب للهلع. السفر ضارّ. الانتقال ممنوع. وسائل النقل العامّ، التي تناضل الشعوب لامتلاكها، لعنة. الحدود وحدها تستحقّ التقدير، خصوصاً متى كان الوافدون عبرها مهاجرين ولاجئين وغرباء بصفة عامّة. الأفكار القروسطيّة حيال الأجانب المصابين بالأمراض تنبعث رافعة عالياً سيف الحماية، وكاسرة، بقوّة الإغلاق والتسوير، اعتداد المدن الكوزموبوليتيّة. أمّا أن ترفض حضارتنا العقاب ونبذ الآخر، فتردّ عليه «كورونا» بالعزل والحجر بوصفهما إجراءً وقائيّاً لا سبيل إلى تجنّبه. الرحمة لا مكان لها: كبار السنّ وذوو المناعة الضعيفة أمرهم لله. الموت بلا غسل ولا تكفين نصيب من يموت.
بسبب «كورونا» تتعرّض السياسة للتسريح. الآن كلّنا واحد و«لا صوت يعلو فوق صوت المعركة». ثمّ إنّنا في مواجهة الموت، فلا تصرفوا جهدكم على التوافه. ما من شيء يستحقّ الجهد، فيما الأشياء والأنظمة كلّها سواسية حيال «كورونا». أدوات الاعتراض وأمكنته، كالساحة والحشد، مصدرٌ لتفشّي الوباء. نعم، عودوا إلى البيت، فما ينفع ليس سوى حالات الطوارئ والحكم العرفيّ. وفي هذه الغضون يستطيع «الأخ الأكبر» الذي يعالج أحوالنا الاستثنائيّة أن يفعل ما يشاء متذرّعاً بـ«كورونا». ألا ترون أنّها حرب كغير الحروب، تعطّل كلّ شيء حَرفيّاً، وتُشَنّ، من دون جيش، وفي وقت واحد، على قارّات وشعوب ودول بأكملها.
الوعي التآمري يغدو في أشدّه، لا سيما الموجّه منه إلى أميركا التي انتدبها القدر لهذه المهمّة. الوعي العنصري كذلك: اللهمّ أبعدْ عنّا الاحتكاك. فلتُكسر اليد التي تمتدّ إلينا بالمصافحة. ركّزوا على النظافة والروائح. أقيموا الحواجز والجدران. المصاب بيننا باضطراب الوسواس القهري (OCD) حكيمنا الذي عرف مبكراً أنّ الكارثة في طريقها إلينا. أنّ أزمنة الحرّيّة والخيار مجرّد وقت ضائع يستعجل حلولها.
الاقتصادات فلتُدمّر قطاعاً قطاعاً. المسرّحون الذين يعرّضون صفوف البطالة فليتكاثروا. الصين التي كانت تُذكر بوصفها صاحبة الاقتصاد الثاني في العالم، صارت مستشفى يعجّ بالمكممين. إيطاليا، جوهرة الكون، معزولة عن الكون. وإذا طال الزمن بـ«كورونا»، فسيدفع الأفقر والأضعف بيننا الكلفة الأعلى. هؤلاء، بوصفهم الأشدّ معاناة لاحتجاب أجهزة الدولة أو لتفكّكها، ولانهيار أنظمة الحماية الاجتماعيّة والصحّيّة، سيكونون الضحيّة الأولى. وفي بلداننا خصوصاً، حيث المخيّمات واللاجئون والألم الفائض، قد تأتينا «كورونا» على شكل فيضان.
ولسوف ننشغل، في ظلّها، بتاريخ الفيروسات القاتلة، والمقارنة بينها، عن كلّ انشغال. ذاك أنّ أمر اليوم هو التعرّي من الزوائد والإضافات: فلتكن الرياضة من دون جمهور، والطفولة من دون ملعب، والسينما من دون صالة، والأكل من دون مطعم، والقهوة من دون مقهى، واللهو من دون ملهى. بل ليكن الحبّ من دون تماسّ. إنّ أصول الأشياء وتقشّفها الأوّل أو عذريّتها الأولى هي العبادة الراهنة. أمّا الفرار من هذه الكآبة فممنوعة على من كانوا يفرّون بالسفر من الحروب؛ لأنّ السفر متعذّر. النظام مطلق ومغلق.
شيء من بداية العالم إذن مقرون بشيء من نهايته. أمّا نحن فيقتصر تدخّلنا في مجريات حياتنا وموتنا على تعقيم أيدينا وانتظار الدواء - المعجزة من المختبرات.
المشكلة عالميّة والحلّ قوميّ، إن لم يكن بيتيّاً. هكذا يقال. لكنّ من يقولون ذلك يغفلون عن رؤية التعاون الدولي بين حكومات العالم ومختبراته، وعن صيغ قانونيّة جديدة لا بدّ أن تنبثق من هذه التجربة. يتجاهلون أيضاً أولئك الشجعان حول العالم، من أطبّاء وطبيبات وممرّضين وممرّضات، الذين يتصدّون للوباء. أمّا أن ينتج عن القسر والاضطرار عالم جديد أفضل، فلا يغدو كونه عزاءً وتخفيفاً لآلامنا. ذاك أنّ الحرّيّة هي وحدها ما ينتج الأفضل، و«كورونا» نظام عُبودي لا يستحقّ منّا إلا الغضب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

في هجاء «كورونا» في هجاء «كورونا»



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت - صوت الإمارات
استعدت مجموعة من النجمات لفصل الخريف بتصاميم وإطلالات لافتة سيطرت عليها لمسات الدانتيل الفاخر، حيث ظهرن بأناقة استثنائية تناسب الأجواء الخريفية عبر حسابهاتهن على مواقع التواصل الاجتماعي. وتألقت النجمة اللبنانية هيفاء وهبي بفستان سهرة أسود طويل بأسلوب كلاسيكي دراماتيكي، مصنوع من قماش الدانتيل المطرز بحمالات رفيعة وقصة الكورسيه الضيقة والمحددة للجسم. وزُود الفستان بأكمام وقفازات طويلة من الدانتيل الأسود الشفاف، بينما حملت شالاً ضخماً من الريش الوردي الفاتح أضفى تبايناً جذاباً مع أقراط طويلة متدلية. وتألقت النجمة نجوى كرم بفستان عصري بطول يصل إلى الكاحل مصنوع من قماش الدانتيل المفرغ باللون البني الداكن فوق بطانة باللون النيود الشفاف، بتصميم مكشوف الأكتاف مع أكمام قصيرة منسدلة وفتحة صدر على شكل قلب وقصة كورسيه محددة لل...المزيد

GMT 20:07 2026 الأربعاء ,16 أيلول / سبتمبر

شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»
 صوت الإمارات - شريف منير يحسم موقفه من المشاركة في «سهر الليالي 2»

GMT 20:53 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 20:23 2014 الأحد ,31 آب / أغسطس

شاطئ مخصص للكلاب على ساحل منطقة روما

GMT 07:52 2014 الأحد ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مقتل 22 شخصًا بعد هطول أمطار غزيرة في نيكاراغوا

GMT 05:27 2019 الثلاثاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

جونسون يؤكد أن سنغادر الاتحاد الأوروبي في 31 يناير

GMT 06:43 2018 الثلاثاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

"نيمار" منتخب السعودية قدم مباراة كبيرة أمام راقصي السامبا

GMT 12:19 2014 الخميس ,21 آب / أغسطس

24 ظاهرة مدهشة حول العالم تكشف روعة الأرض

GMT 03:06 2015 الجمعة ,13 شباط / فبراير

أسد يقتل حارسه في حديقة حيوانات في سيؤل

GMT 16:24 2017 الثلاثاء ,25 تموز / يوليو

"الظفرة إلى ربع نهائي "آسيوية الصالات

GMT 10:30 2013 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ارقام حكومية برازيلية تؤكد زيادة تدمير غابات الأمازون

GMT 18:34 2016 الإثنين ,04 إبريل / نيسان

مقتل عشرة أشخاص بصاعقة رعدية شمال باكستان

GMT 23:20 2018 الثلاثاء ,13 شباط / فبراير

إنجازات جديدة للاعب المصارعة جونسون "ذا روك"

GMT 05:52 2014 الإثنين ,01 كانون الأول / ديسمبر

هطول أمطار رعدية مصحوبة برياح نشطة على الرياض

GMT 15:18 2017 الأحد ,24 كانون الأول / ديسمبر

بريشة : عمر العبداللات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates