مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو

مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو

مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو

 صوت الإمارات -

مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

هناك نقد دارج لـ«صفقة القرن» يحمّل المسؤوليّة عنها إلى اتفاقيّة أوسلو في 1993. نقدٌ كهذا ينمّ، عند البعض، عن أفق ضيّق، وعند البعض الآخر، عن ذمّة واسعة.
أوسلو تستحقّ المراجعة وتستحقّ النقد، لكنْ ينبغي توزيع المسؤوليّات بشكل عادل. والحال أنّ الحصّة الأكبر منها تعود إلى الموقع الموضوعي للقضيّة الفلسطينيّة في توازنات القوى: إنّه موقعٌ ظالم بحقّ المظلوم الفلسطينيّ. هذا ليس استثناء فلسطينيّاً، إذ حالة الأكراد فيها شيء منه، مع اختلاف في التفاصيل.
موقع القضيّة الموضوعي هو الأصل الذي زادته بؤساً السياسات الفلسطينيّة والعربيّة، وسوء الحظّ، وتجاهل العالم إمّا تواطؤاً مع المحتلّ أو عجزاً عن ردعه. أوسلو تفصيل عارض في سياق أعرض.
لقد خضع تناول الموقع الفلسطيني في توازنات القوى لتكتّم مديد. كلّ طرف أراد أن يركّز على العناصر الذاتيّة، لا الموضوعيّة، كي يتّهم طرفاً آخر. لكنْ إلى هذا، حظي مبدأ التكتّم باليد العليا، لأنّه عبّر عن إجماع على إخراج القضيّة الفلسطينيّة من السياسة، ومن النقاش العامّ، وإدراجها في المقدّس، والمقدّسُ لا يناقَش. أسباب ذلك تمتدّ من طغيان الإراديّة على الجماهير في الزمن القومي السابق، وطغيان النفاق على الأنظمة دائماً: هكذا انتهينا إلى صوت واحد شعبي - رسمي يريد التحرير ولا يناقشه.
المشكلة المسكوت عنها تبدأ من الأربعينات: حينذاك استقلّت أكثريّة دول المشرق، ونشأت دولة إسرائيل. الأمر بدا شبيهاً بعمليّة تاريخيّة واحدة لا يريد أحد أن يرى وحدتها. هذا التناقض كان ممكناً تجاهله في الخمسينات ومعظم الستينات، حين بدا أنّ عبد الناصر سيحرّر فلسطين، من دون أن يكون لذلك أي انعكاس ارتجاجي على المجتمعات العربيّة. المسألة لا تستدعي سوى انتظار التحرير. أمّا باقي العرب فيستطيعون أن يستأنفوا حياتهم على جاري العادة.
في موازاة ذلك، تعاظمت قدسيّة القضيّة الفلسطينيّة حتّى باتت، مثل الدين، شيئاً لا يستطيع الحاكم إسكاته. هذا بدوره عزّز المقدّس اللفظي فيها على حساب السياسيّ.
لكنْ مع تولّي الفلسطينيين أمرهم بيدهم، وإنشائهم منظّماتهم، بعد هزيمة عبد الناصر في 67، بدا التوفيق مستحيلاً؛ فالمجتمعات المحيطة بفلسطين كانت رتّبت حياتها على أساس أنّها نهائيّة، تتحدّث عن «حروب المصير» ولا تخوضها. وبفعل الطبيعة الملتوية لوطنيّاتنا والانقسامات الأهليّة داخلها، نشأ لدينا «حزب» عريض ضمّ الحاكم الخادع والمحكوم المخدوع: الخادع يعد بالتحرير، والمخدوع، الممنوع من المطالبة بأي شيء آخر، يطالب به. إلاّ أنّ الأغلبيّة الساحقة للمطالبين بالتحرير كانت تنوي فعلاً تحسين موقعها التفاوضي في تلك المجتمعات محكومة بشروط حياتها داخل دولها. «حزب الله» قدّم لاحقاً المثل الساطع: نتسلّح باسم محاربة إسرائيل وبالسلاح نعزّز موقع «طائفتنا».
الضربة الأقوى وجّهتها الدولة الأقوى، التي سبق التعويل عليها للتحرير: مصر السادات. لبنان حاول عام 1983 ومُنع من ذلك، علماً بأنّ ما حاوله كان أقلّ من معاهدة سلام. الفلسطينيّون أنفسهم باتوا يطالبون بـ«دولة» متوافقة مع إسرائيل، وقد نالوا هيكلها في 1993. بعد عام حذا الأردن حذوهم وحذو مصر.
وحتّى اليوم ما زال يتبدّى أنّ الدول لا تستكمل سياداتها، بغضّ النظر عن الرأي فيها، من دون ترتيب ما مع إسرائيل؛ البلد الصغير الذي يخاف من جار كإيران، والبلد الذي لا يريد أن يُذكر على قوائم الإرهاب، والبلد الذي يريد إحراز اعتراف دولي بامتلاكه أرضاً متنازعاً عليها... كلّهم يغادرون، بسرعات متفاوتة، «نزاع الشرق الأوسط».
هذا ما حدث مع تشكّل الوطنيّات العربيّة، وتوطّد دولها. مع انفراطها بات الأمر أسوأ: النُذر المبكرة، في حربي الأردن ولبنان عامي 1970 و1975 كانت مدهشة الدلالة: الحربان ارتبطتا بـ«الحقّ» في مقاومة إسرائيل، فصدّعتا بلدين عربيين وتأدّى عنهما إخراج المقاومة الفلسطينيّة منهما.
بتقدّم الانهيار الذي ضرب الدول والمجتمعات، طغت مسألة «الهويّة» على مسألة «التحرير». مع «الهويّة»؛ حيث تخاف كلّ جماعة في العالم العربي من التكاثر العددي للجماعة الأخرى، يخسر «حقّ العودة» كثيراً من إمكانيّاته العمليّة. يهود إسرائيل بات في وسعهم أن يتذرّعوا بالمخاوف التي سمعوها من أكثريّات المنطقة وأقلّيّاتها، علماً بأنّ الأكثر تشدّداً دينيّاً وإثنيّاً بينهم لا يحتاجون أصلاً إلى حجج.
الطامة الكبرى كانت مع موجات التهجير المليوني في السنوات الأخيرة. لقد باتت المعاناة الإنسانيّة ورمزيّاتها على قدر بعيد من الشيوع والتعميم. الكاتب السوري فراس حاج يحيى كتب: «في شهر واحد، تم تسجيل مليون نازح عن بيته وأرضه إلى المجهول، في أكبر موجة نزوح بشري في القرن الحادي والعشرين، اتبع فيها الحلف الروسي - الأسدي سياسة الأرض المحروقة، مدمراً الحجر والبشر والشجر. فرق الاستجابة الإنسانية في إدلب أصدرت بياناً فارغاً من الكلمات عن عدد النازحين والمهجرين، فالأرقام فقدت قيمتها، والإحصاءات لن تغير الواقع، بعدما صم العالم أذنيه وعينيه وأشاح بوجهه عن إدلب وأهلها».
هؤلاء أيضاً تجد بينهم كثيرين علّقوا المفاتيح في أعناقهم، آملين بالعودة ذات يوم إلى بيوت طُردوا منها. هذه ليست من مفاعيل أوسلو.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو مشكلة القضية الفلسطينية أبعد كثيراً من أوسلو



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 22:51 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل 10 أطعمة تمنح مريض السكري إفطارًا صحيًا
 صوت الإمارات - أفضل 10 أطعمة تمنح مريض السكري إفطارًا صحيًا

GMT 22:33 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضية الجديدة
 صوت الإمارات - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضية الجديدة

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الإمارات تستعد لإطلاق مهمة استكشاف حزام الكويكبات في 2028
 صوت الإمارات - الإمارات تستعد لإطلاق مهمة استكشاف حزام الكويكبات في 2028

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 21:56 2017 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

الجروح الخفية

GMT 03:44 2018 الإثنين ,31 كانون الأول / ديسمبر

الوحدة يجهز المنتخب الصيني لمواجهة قيرغيزستان

GMT 14:28 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تُؤكِّد على أنّ مسلسل رمضان المقبل "مفاجأة"

GMT 00:13 2022 الأحد ,26 حزيران / يونيو

أفكار متنوعة لارتداء اللون الوردي في الصيف

GMT 19:19 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حلول مبتكرة لمشكلة خروج القميص من السروال في العمل

GMT 21:18 2017 السبت ,16 كانون الأول / ديسمبر

ريال مدريد يواجه جريميو البرازيلي على ملعب مدينة زايد

GMT 14:56 2017 الجمعة ,27 كانون الثاني / يناير

تشيلسي هيلي تتألق في فستان مثير باللون الذهبي

GMT 15:54 2017 الأربعاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

خطوات لتغيير ديكور غرفة نومك بشكل كامل بميزانية بسيطة

GMT 10:09 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

موديلات أظافر للمناسبات باللونين الأحمر والذهبي

GMT 23:40 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

الإمارات تطلب من إسرائيل فتح سفارتين في البلدين في أقرب وقت

GMT 04:11 2019 الخميس ,18 تموز / يوليو

طريقة تحضير كيك التفاح المبشور بأسلوب سهل

GMT 09:48 2019 الثلاثاء ,16 إبريل / نيسان

جيمس هاردن يقود روكتس لتجاوز يوتا جاز

GMT 09:56 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تعرفي على كيفية تنظيف "الرموش الصناعية" بسهولة

GMT 17:01 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

اليونان تُخفف من حدة التقشف في أول مشروع موازنة منذ 10 سنوات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates