لا يرسمون على ورق

.. لا يرسمون على ورق

.. لا يرسمون على ورق

 صوت الإمارات -

 لا يرسمون على ورق

حسن البطل
بقلم - حسن البطل

كان ضجيج الحياة في عروق المهر الصغير، أعلى من هدير الحديد. وللفتى فارس زرد من قماش، ودبابة قدامه يخالها «نمراً من ورق».
قفز الفتى من دفتر الرسم. امتطى عمره الطري إلى درس الشوارع. من قال: «ليت الفتى حجر / ليتني حجر» ومن رأى الغلام فارس، والقهر في عينيه لأنهم أخذوا منه بلاداً؛ وأعطوه مخيما. أخذوا منه حلم امتطاء دبابة كان يرسمها على الورق .. أو يمزقها نتفاً من ورق!
اسم الفتى فارس عودة، ونوع الدبابة «مركفاه» ودراجة العيد فوق طاقة الأب الفقير، والحجر سلاح الشجاع .. وزاد الفقير إلى حلم امتطاء لعبة من حديد.
للقادة حلمهم أنهم يفيقون كصلاح الدين، وللأولاد، في عمر فارس، أن يحلموا بدبابة ضد النظام؛ ونظام جديد ضد النظام القديم.
هل كان فارس تعيسا في رسم دبابة من حديد، وشاطراً في رسم طيارة من ورق؟
هل كان، ابن أمه وأبيه وتلميذ مدرسته، لا يركض جيدا في درس الرياضة، فكان يحلم بغير صلاح الدين؟ شرطي سير مثلاً تأتمر دراجات الأولاد وسيارات الآباء بإشارة من كفه: قف أو «هات رخصة السياقة» ؟
ينقلب حلم الفتى، فإذا به حمامة من حديد والدبابة ذبابة؛ والذباب بغيض صيفاً شتاء.. وهو ربيع البلاد من شتاء جدّه في «النكبة» إلى خريف أبيه في «النكسة» إلى صيف أخيه الكبير الذي غادر البلاد ليكون فدائياً .. وعاد أباً صغيراً : احفظ دروسك يا ولدي!
الدرس درس سياسة فلسطين دولة في الكتاب، والخارطة على جدار الصف تقول: فلسطين وطن في درس الجغرافيا. ارسم فلسطين خارطة الوطن، ولوّن بعض فلسطين خارطة الدولة.. أو اذهب لى فسحة انتفاضة بين درس السياسة ودرس الجغرافيا.
«ليت الفتى حجر» ولكن الفتى حمامة من حديد. مهر مسكون بضجيج الحياة و»ولدنة» بين درس الرياضة وحرب الشوارع.
هل كان الفتى فارس عودة يحب رياضة رفع الأثقال إلى أعلى، ويكره رياضة الركض إلى الوراء؟ أو كان يحلم بقبضة محمد علي الذي «يلسع مثل نحلة ويطير مثل فراشة».. أو كانت الحرب «لعبة حرب» بين أولاد حارته وأولاد حارة أُخرى؟
رأى الحرب لعبة على شاشة التلفاز، وليس في جيب الأب الفقير مال ليشتري ديسكا مدمجا للعبة «بوكمان» حيث الحمامة تصير «طير الرخ» .. والأشرار الذين يرتدون الحديد يولون الأدبار.
«جادت له كفي بعاجل طعنة / بمثقّف صدق الكعوب مقوم».
هكذا، قال أبو الفوارس عنترة.
يد الولد فارس عودة جادت للدبابة بحجر تلو الحجر.
نقرت الحمامة زرد حديد الدبابة، فشعر فارس بأن ضجيج الحياة في عروقه صار أقوى بعد ارتطام حجره بحديد الدبابة.
وفي دروس الانتفاضة الأولى أن ولداً في السادسة كان يبكي لأن القهر أكبر من جسده الصغير، ومن غيظه رمى حجراً مع طفرة الدمع.
عندما جاء درس الانتفاضة الثانية صار ولد الانتفاضة الأولى عازفا في المعهد الوطني للموسيقى.. والقهر الذي ملأ جسده صار موهبة تلعب على أوتار الكمان.
في الانتفاضة الأولى كان فارس في رحم أمه، أو كان يبكي إذا تأخرت عليه زجاجة الحليب أو ثدي أمه.
تمام الثانية عشرة من العمر الطري نحلم بالحرية درساً في الرسم السياسي ينطبق على درس في الجغرافيا: فلسطين كبيرة والغلام صغير. فلسطين جميلة وعسكر أشرار يطبقون على حلمه، كأنهم يهبطون من الكابوس إلى النهار؛ من لعبة «الأتاري» إلى الشارع بين البيت والمدرسة.
حجر. حجران على الدبابة - الذبابة، ثم طارت الحمامة إلى عشها بسلام. صارت صورته غلافا للمجلات. صورته تزغرد على الفضائيات: هذا هو الفتى.
بين يوم ويوم طال ريش فرخ الحمامة، والجنود خلف متاريسهم رأوا ظله القصير يقترب.
رأوا ظلهم الطويل يقصر، لم ينذروه أن يسحب ظله عن خوذاتهم.. أخرجوه من اللعبة والملعب ثخين الجراح.
أخرجوه من المستشفى جثة هامدة. حملوه إلى قبره الطري جسماً خفيفاً .. قليل من عظام الحليب على قليل من لحم الطفولة الطري .. أو أنه كان يحلق فوق جنازته، يحمل معهم جسده .. هارباً من ولولات أمه عليه، من صيحات إخوته: لم تنته اللعبة يا فارس، وكتاب المدرسة لم تنته أيامه .. وحصة الدرس لم تحفظها بعد، والخريطة في الكتاب غير الخريطة على جدار الصف.
له رقم متسلسل في قائمة الشهداء - الأحياء. له الرقم الأول في قائمة القتلى الأطفال - الأبطال. له اللعبة الأولى في لعبة «الحرية أو الموت» وللقتلة اللعبة الأخيرة في لعبة «موت الاحتلال».
قفز الفارس الصغير من دفتر الرسم. امتطى شهاب عمره. والقهر الذي في أعصابه نام.
 من قديم حسن البطل

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

 لا يرسمون على ورق  لا يرسمون على ورق



GMT 21:31 2024 الأربعاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

كهرباء «إيلون ماسك»؟!

GMT 22:12 2024 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان على مفترق: السلام أو الحرب البديلة

GMT 00:51 2024 الأربعاء ,16 تشرين الأول / أكتوبر

مسألة مصطلحات

GMT 19:44 2024 السبت ,12 تشرين الأول / أكتوبر

هؤلاء الشيعة شركاء العدو الصهيوني في اذلال الشيعة!!

GMT 01:39 2024 الجمعة ,11 تشرين الأول / أكتوبر

شعوب الساحات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - صوت الإمارات
مع اقتراب نهاية فصل الشتاء، تحرص النجمات على استثمار الأيام الباردة الأخيرة بأسلوب يعكس أناقتهن ويبرز شخصياتهن المتفردة، حيث تتحول رحلاتهن السياحية إلى منصات مفتوحة لاستعراض أحدث الصيحات بأساليب مبتكرة تجمع بين الجرأة والراحة. وبين المدن الأوروبية الساحرة والوجهات الجبلية الثلجية، ظهرت مجموعة من الإطلالات التي مزجت بين القطع الكلاسيكية واللمسات العصرية، مؤكدة أن الأناقة الشتوية يمكن أن تظل متألقة حتى اللحظات الأخيرة من الموسم. وقد برزت النجمة درة زروق بإطلالة جلدية كاملة باللون العنابي خلال تواجدها في مدريد، حيث اختارت تنسيقاً يعكس القوة والجرأة مع لمسة أنثوية ناعمة من خلال المكياج وتسريحة الشعر. كما لفتت ندى باعشن الأنظار في أجواء جبال الألب بإطلالة جريئة، اعتمدت فيها على معطف فرو فاخر مع ألوان حيوية أبرزها الفوشيا...المزيد

GMT 20:21 2026 السبت ,04 إبريل / نيسان

إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027
 صوت الإمارات - إلهام شاهين تتمنى التعاون مع يسرا في رمضان 2027

GMT 05:59 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أزياء باللون الأبيض من الفاشينيستات العربيات

GMT 18:27 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

ترامب يُهدّد بفرض الطوارئ لبناء الجدار الحدودي مع المكسيك

GMT 09:27 2018 الإثنين ,17 أيلول / سبتمبر

طريقة إعداد كيك الفانيليا بتغليفة الليمون الشهية

GMT 16:59 2013 الأربعاء ,04 كانون الأول / ديسمبر

"القومي للترجمة" يوضح "تناقضات المؤرخين" في أحدث إصداراته

GMT 11:32 2017 الجمعة ,20 تشرين الأول / أكتوبر

سالي حسين تُشجع السياح على زيارة متاحف الشمع الحديثة

GMT 02:45 2021 الإثنين ,18 تشرين الأول / أكتوبر

أفكار لديكورات غرف الجلوس في موسم الخريف

GMT 20:03 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 07:27 2020 الأحد ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

أول ظهور لمحمد صلاح بعد إصابته بكورونا

GMT 20:27 2020 الأربعاء ,24 حزيران / يونيو

معلومات مهمة عن السياحة في باريس 2020

GMT 08:28 2019 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

رجل يسيطر على أفعى كوبرا ضخمة ترعب المواطنين في الهند

GMT 12:34 2019 الأربعاء ,25 كانون الأول / ديسمبر

الرئيس الأميركي ينفي شراء هدية عيد الميلاد لميلانيا ترامب

GMT 22:35 2019 الإثنين ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

دللي جسمك بسكراب جوز الهند

GMT 22:35 2019 السبت ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

برايان هوك يطالب بفرض عقوبات على جميع أنشطة إيران

GMT 07:38 2019 الأربعاء ,02 تشرين الأول / أكتوبر

وزارة الصحة العراقية تؤكد مصرع شخص واحد خلال احتجاجات بغداد

GMT 15:34 2019 الأحد ,05 أيار / مايو

تصوير 80% من مشاهد "قمر هادي" لهاني سلامة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates