بقلم:أسامة غريب
الحصار الخانق الذى تفرضه الولايات المتحدة على إيران، فضلًا عن كونه ظالمًا ومخالفًا للقانون الدولى ويتم فرضه بالإكراه وتهديد الدول وابتزازها فإنه سيؤدى إلى نتيجة ستفاجئ ترامب نفسه الذى لا يدرك ما يفعل. هذا الحصار الذى يجر فيه أوروبا إلى جانب الدول الضعيفة والهشة لم يحدث أن تم تطبيقه إلا ضد كوريا الشمالية بعد أن أجرت تفجيرها النووى وأعلنت امتلاكها للقنبلة، فإذا كنت تنوى تطبيقه اليوم ضد إيران وهى دولة غير نووية عسكريًا بشهادة الوكالة الدولية المتواطئة، فما الذى يمنع إيران اليوم من المضى فعلًا فى مشروع إنتاج القنبلة ما دامت قد حصدت عقوباتها بالفعل؟ لا يدرك ترامب وحفنة الصعاليك التى يحيط نفسه بها خطورة ما يفعل، ولا يعى أن هذا الحصار لن تستطيع إيران مواجهته وفكه إلا إذا أصبحت دولة نووية لديها ما تهدد به الدول المعتدية وتردعها. ولا يضيف المشروع الذى يعتزم الغرب القيام به من تحويل ملف إيران النووى إلى مجلس الأمن بدلًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية.. لن يضيف سوى حافز إضافى لإيران للعمل بأقصى سرعة من أجل الوصول للحظة الحرجة التى تعلن فيها التفجير النووى الأول.
لقد كانت إيران تعلن دائماً أنها تمتنع عن الاقتراب من هذا المشروع بسبب فتوى المرشد التى حرّمت هذا السلاح وأدانت إنتاجه، لكن هذا العذر رغم صحته ليس السبب الوحيد أو الأساسى، وإنما الخشية من أنّ مشروع القنبلة قد يجلب حصاراً دولياً خانقًا سعت طهران دوماً لتفاديه، فإذا كانت العقوبات القصوى ستطوق إيران بدون أسباب باستثناء رغبة مجرم الحرب نتنياهو وتابعه ترامب، فإن كل الأعذار تكون قد سقطت ولا تستطيع حتى الدول الصديقة لإيران مثل روسيا والصين والتى تعارض امتلاك إيران السلاح النووى أن تلومها إذا ما مضت على هذا الطريق لتحمى ٩٠ مليون مواطن من الموت البطىء!.
لن نتحدث عن قدرة إيران على تجاوز العقوبات واختراقها وهو الأمر الذى أتقنته طوال ٤٧ سنة منذ قيام الثورة وحتى الآن ولن نتحدث عن بحر قزوين الذى يعتبر بوابة خلفية للتجارة الإيرانية مع روسيا وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان التى تشترك معها فى هذا البحر، لكن سنتحدث عن الدول ذات الحدود البرية المشتركة مع إيران وهى العراق ذات الحدود الأطول وتصل إلى ١٥٠٠ كيلومتر، وتركمانستان وتصل إلى ٩٩٠ كيلومتر ثم باكستان وحوالى ٩٥٠ كيلومترا وأفغانستان حوالى ٩٠٠ كيلومتر وأذربيجان حوالى ٦٠٠ كيلومتر وتركيا وحوالى ٥٠٠ كيلومتر، وأخيراً أرمينيا بحدود تصل إلى نحو ٤٤ كيلومترا. كل هذه الدول ترتبط بعلاقات ودية ومعاملات تجارية مع إيران ولن تستطيع العقوبات الأمريكية أن توقف هذا التعاون،
خاصة أن جانبًا كبيراً منه هو تجارة ومصالح بين قبائل وعشائر وقرى حدودية تملك أساطيل للنقل لا تعمل تحت عباءة الدول مباشرة.
المفارقة الحزينة هنا أن العدوان الإسرائيلى الأمريكى لم يقع ضد إيران انطلاقًا من أى دولة من بين هؤلاء، ولا داعى لأن نمضى بهذه الجملة إلى نهايتها!