أعلنت السلطات في كوريا الجنوبية إطلاق تطبيق للهواتف المحمولة في 24 يونيو/حزيران، بميزة محدّثة تتيح للنساء اللواتي يتعرضن للملاحقة تتبع موقع من يلاحقهن، إذا كان خاضعاً للمراقبة الإلكترونية، في خطوة تهدف إلى تعزيز سلامتهن.
ويعتمد التطبيق، الذي طورته وزارة العدل، على بيانات التتبع الصادرة عن الأساور الإلكترونية المثبتة في الكاحل. ويظهر التطبيق الموقع الآني للشخص الخاضع للمراقبة على خريطة، ويرسل تنبيهاً إلى مركز المراقبة إذا اقترب من الضحية ضمن مسافة محددة، ليتولى المركز بعد ذلك إبلاغ الشرطة أو ضابط المراقبة المسؤول.
وكانت نسخة سابقة من التطبيق، أطلقت عام 2024، لا تتيح للضحية تتبع موقع الملاحق مباشرة وفي الوقت الفعلي. لكن تعديلاً أُدخل على قانون المراقبة الإلكترونية في البلاد في ديسمبر/كانون الأول 2025 جعل تتبع أماكن وجود الملاحقين ممكناً الآن.
وقال ليم هاب-غيوك، رئيس المركز المركزي للمراقبة الإلكترونية التابع لوزارة العدلالكورية: "سيظهر التطبيق الطرق والمباني القريبة لمساعدة الضحايا على الوصول إلى مكان آمن بسرعة أكبر".
لكن منتقدين يشددون على أن اتساع ظاهرة الملاحقة في كوريا الجنوبية يعكس مشكلة أوسع تتعلق بالعنف ضد النساء، وهي مشكلة لا تستطيع التكنولوجيا وحدها حلّها.
ولم تصنف الملاحقة، أو ما يعرف بـStalking، جريمة جنائية خطيرة في كوريا الجنوبية إلا عام 2021. ورغم وجود قوانين تتناول العنف الأسري، فإنها تركز إلى حد كبير على العلاقات الزوجية، ولا توفر حماية كافية في حالات العنف داخل العلاقات العاطفية خارج إطار الزواج، ما يترك ثغرات قانونية كبيرة مقارنة بدول مثل المملكة المتحدة.
وتقول الباحثة التشريعية هيو مين-سوك: "غالباً ما يتصرف مرتكبو الملاحقة أو العنف في العلاقات العاطفية في المجتمع الكوري من دون خوف من العواقب".
وكانت الشرطة قد أطلقت عام 2015 نظاماً سابقاً يعتمد على الساعات الذكية، يتيح للضحايا إرسال مواقعهن إلى الشرطة بضغطة زر، لكنه لم يكن يسمح بتحديد موقع الجاني. وقد تعرض هذا النظام لانتقادات بسبب فشله في توفير حماية كافية للضحايا.
وتجددت هذه الانتقادات في مارس/آذار 2026، عندما قتلت امرأة طعناً في منطقة قريبة من العاصمة سيول، على يد رجل يشتبه في أنه كان يلاحقها بعد انتهاء علاقتهما.
وكانت الضحية تحمل ساعة ذكية زودتها بها الشرطة، كما كان المشتبه به خاضعاً لأمر قضائي يمنعه من الاقتراب منها. بل إنها ضغطت على زر الاستغاثة في الساعة قبل دقيقتين فقط من وقوع الهجوم.
وعقب الحادثة، طلب الرئيس الكوري الجنوبي، لي جاي-ميونغ، من المسؤولين تعزيز إجراءات حماية ضحايا الملاحقة، بما في ذلك إيجاد وسائل أسرع لتحديد مواقع الجناة، وهو ما تأمل وزارة العدل أن تسهم خاصية التتبع الجديدة في تحقيقه جزئياً.
لكن البروفيسورة هان مين-كيونغ من الجامعة الوطنية الكورية للشرطة ترى أن التطبيق لن يحدث فرقاً كبيراً، لأن عدداً محدوداً فقط من الجناة يلزمون بارتداء أجهزة المراقبة الإلكترونية.
كما أثار المقترح نقاشاً حول الخصوصية والمراقبة. وقال البروفيسور كواك داي-كيونغ من جامعة دونغوك إن تتبع الموقع في الوقت الفعلي من قبل الضحايا قد يكون ممكناً من الناحية العملية، إلا أن "إلزام شخص بارتداء سوار إلكتروني لمجرد وجود مخاوف من احتمال ارتكابه جريمة في المستقبل قد يثير تساؤلات تتعلق بحقوق الإنسان".
وأضاف أن القضية تستدعي نقاشاً مجتمعياً أوسع.
وتبرز أيضاً مخاوف تتعلق بتجربة الضحايا أنفسهن مع التطبيق. وقالت البروفيسورة هان مين-كيونغ لبي بي سي الكورية: "أعتقد أن الضحية قد تشعر بخوف شديد للغاية... لذلك ينبغي التفكير بعناية فيما إذا كان تزويد الضحايا باستمرار بمعلومات آنية عن موقع الجاني يمثل فعلاً نوعاً من الدعم الذي يساعدهن على التعافي والعودة إلى حياتهن الطبيعية".
أقرت كوريا الجنوبية قانوناً لمكافحة الملاحقة عام 2021، ينص على عقوبة تصل إلى السجن ثلاث سنوات وغرامة قصوى تبلغ 30 مليون وون كوري، أي نحو 19,600 دولار، بحق المخالفين. وكان النظام السابق يتعامل مع هذه الأفعال إلى حد كبير بوصفها مخالفات بسيطة، بعقوبات محدودة.
وتظهر بيانات مراكز تلقي بلاغات الطوارئ التابعة للشرطة أن بلاغات الملاحقة زادت بأكثر من الضعف بعد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ.
ومع ذلك، يرى بعض الخبراء القانونيين في كوريا أن غياب قانون مستقل يعالج العنف داخل العلاقات العاطفية خارج إطار الزواج يترك ثغرات كبيرة في المنظومة القانونية.
وتقول الباحثة التشريعية هيو مين-سوك: "حتى العنف بين الأزواج غالباً ما يجري التغاضي عنه. وعندما لا يكون الطرفان متزوجين أصلاً، يصبح احتمال تجاهل الأمر أكبر".
وتضيف أن الوعي المجتمعي بخطورة العنف داخل العلاقات العاطفية ما زال منخفضاً بشكل عام. وما لم يصل العنف إلى حد مأساوي، مثل القتل، نادراً ما يرى الجناة أشخاصاً آخرين يخضعون للتحقيق أو العقاب على أفعال مماثلة، مما يعزز الاعتقاد بأن هذه الجرائم بسيطة أو ثانوية.
وأبلغت الوكالة الوطنية للشرطة بي بي سي الكورية أن غياب أساس قانوني واضح لاتخاذ تدابير حماية في قضايا ما يعرف بـ"عنف العلاقات العاطفية" بات المجال الأكثر إلحاحاً للإصلاح.
وتعرضت الآلية الحالية التي تعتمدها السلطات لتوزيع هذه الأجهزة لانتقادات، بسبب فشلها في حماية الضحايا المعرضات للخطر، إذ لم تمنع وقوع اعتداءات وجرائم قتل.
وبحسب بيانات للشرطة الوطنية في كوريا الجنوبية، استشهد بها النائب عن الحزب الديمقراطي لي كوانغ-هي، سجلت 23 حالة قتل أو محاولة قتل شملت ضحايا كن قد حصلن على ساعات ذكية بين عام 2021 وأغسطس/آب 2025.
وتقول مينجي، وهو اسم مستعار استخدمناه لحماية هويتها، إنها لا تزال تشعر بأنها غير محمية، رغم حصولها على ساعة ذكية.
وكان ملاحقها، وهو حبيب سابق، قد اعتدى عليها للمرة الأولى بعد شهر من بدء علاقتهما في يوليو/تموز 2023. وتقول إنه كان يفتش هاتفها بشكل هوسي، ويراقب تحركاتها، ويتحرش بزملائها في العمل.
وقالت مينجي: "حبسني داخل سيارته لأنني رفضت أن أريه هاتفي، ثم انهال عليّ بالضرب بلا رحمة لنحو ساعتين".
وأدى الاعتداء إلى إصابتها بكسر في الأنف استدعى إجراء عملية جراحية.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، فرضت المحكمة تدابير احترازية مؤقتة، بعدما وجدت أساساً لاعتبار ما تعرضت له ملاحقة. وشملت هذه التدابير منعه من الاقتراب منها لمسافة تقل عن 100 متر، أو التواصل معها عبر وسائل الاتصال.
كما حصلت على ساعة ذكية من الشرطة تتيح لها إرسال إشارة استغاثة طارئة تتضمن موقعها، ما يسمح لأقرب عناصر الشرطة بالتدخل بسرعة.
لكن، وفقاً لأحكام قضائية أيدتها لاحقاً المحكمة العليا، انتهك شريكها السابق هذه الأوامر القضائية نحو 100 مرة.
وتشير بيانات زودت بها الوكالة الوطنية للشرطة في كوريا الجنوبية بي بي سي إلى أن نحو تدبير احترازي واحد من كل عشرة تدابير أصدرتها المحاكم في قضايا الملاحقة جرى انتهاكه خلال عام 2025.
وتقول مينجي إنها تخشى اليوم الذي سيفرج فيه عن مطاردها.
وكانت المحكمة العليا الكورية قد حكمت على مطارد مينجي عام 2025 بالسجن خمس سنوات، وأمرته بحضور برنامج علاجي متخصص في قضايا الملاحقة لمدة 40 ساعة.
وتضيف: "سأضطر إلى الهرب مجدداً. أكثر ما أفكر فيه هذه الأيام هو: هل لن ينتهي هذا الأمر إلا عندما أموت؟"
وتبدي ضحايا أخريات وعائلات نساء قتلن على يد ملاحقيهن قلقاً من طريقة تعامل الشرطة مع تدابير الحماية الحالية، وما إذا كانت تستجيب لها كما ينبغي.
وكانت شقيقة يوري في العشرينيات من عمرها حين قتلت على يد حبيبها السابق في سبتمبر/أيلول 2024، بعد انتهاء علاقتهما.
وفي ليلة مقتلها، ظنت أنها تفتح الباب لعامل توصيل طعام، لكنه كان شريكها السابق، الذي ظل ينتظر لساعات فرصة لاقتحام المنزل.
وتقول يوري، وهو اسم مستعار استخدمناه لحماية هويتها: "في كل مرة كانت شقيقتي تقول إنها تريد الانفصال، كان يأتي إلى منزلها، ويركل الباب الأمامي، ويظل يطرقه بعنف. قالت إنها كانت تقضي الليل كله مرعوبة".
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، أيدت المحكمة العليا حكماً بالسجن 30 عاماً في قضية القتل.
وبحسب حكم قضائي مكتوب، كانت شقيقة يوري قد أبلغت الشرطة ثلاث مرات عن حوادث عنف مرتبطة بعلاقتها العاطفية مع شريكها السابق. كما قدمت ثلاثة بلاغات أخرى للشرطة بشأن سلوكيات ملاحقة خلال فترة الانفصال.
وتقول يوري: "كل ما قالته له الشرطة كان إنه إذا واصل الاتصال بها مراراً، فقد يتعرض للعقوبة. أتساءل لماذا لم تتخذ تدابير مؤقتة، مثل أمر منع الاقتراب، بصورة أكثر استباقية".
وتعتمد الشرطة نظاماً لحماية الضحايا، يصنف ضحايا عنف العلاقات العاطفية أو الملاحقة ضمن الفئة "أ" إذا قدمن ثلاثة بلاغات أو أكثر خلال عام واحد، وضمن الفئة "ب" إذا قدمن بلاغين أو أكثر.
ورغم ذلك، كشف أعضاء في لجنة الإدارة العامة والأمن في الجمعية الوطنية أن شقيقة يوري بقيت مصنفة ضمن الفئة "ب"، على الرغم من أنها كانت قد أبلغت الشرطة عن الجاني ثلاث مرات.
وفي ما يتعلق بهذا التضارب، قالت وكالة شرطة مدينة بوسان: "بحسب عناصر الشرطة الذين استجابوا للبلاغ في موقع الحادث، أفادت الضحية بأنها "لم تتعرض لأي أذى" وأنها "لم تقدم أي بلاغ من قبل"، ما أدى إلى إدارة غير كافية إلى حد ما للحالة".
وأضافت: "غالباً ما يتردد الضحايا في الإدلاء بشهاداتهم خوفاً من الانتقام؛ وسنراجع بفاعلية، في المرحلة المقبلة، أساليب مراقبة تركز على الجناة".
قد يهمك أيضـــــــا :
"الداخلية" الإماراتية تُعلن جاهزيتها لـ"المراقبة الإلكترونية"
شرطة أبوظبي تتخذ إجراءات تطبيق "المراقبة الإلكترونية"
أرسل تعليقك