تصدر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية المغربية للمرة الأولى منذ تأسيسه، بعدما أظهرت النتائج المؤقتة حصوله على 97 مقعداً في مجلس النواب، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعداً، وحزب الاستقلال الذي نال 65 مقعداً.
وبهذه النتيجة، يضيف الحزب نحو 10 مقاعد إلى رصيده مقارنة بانتخابات عام 2021، حين حل ثانياً بـ87 مقعداً، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 مقعد في الانتخابات السابقة إلى 66 مقعداً، في اقتراع بلغت نسبة المشاركة فيه 38.02 بالمئة.
وينتقل الحزب، المعروف شعبياً باسم «الجرار» نسبة إلى رمزه الانتخابي، من كونه ثاني أكبر مكونات الحكومة المنتهية ولايتها إلى تصدر البرلمان، بعد سنوات أمضاها في المعارضة، قبل أن يدخل الحكومة للمرة الأولى عقب انتخابات 2021.
وتأسس حزب الأصالة والمعاصرة في أغسطس 2008، بعد أشهر من إطلاق «حركة لكل الديمقراطيين» بمبادرة من فؤاد عالي الهمة، الوزير المنتدب السابق في الداخلية، قبل اندماج خمس تشكيلات سياسية في الحزب الجديد.
وجاء تأسيس الحزب في سياق سياسي شهد إعادة ترتيب للمشهد الحزبي ومواجهة الصعود المتزايد لحزب العدالة والتنمية، وضمت تركيبته منتخبين محليين وأعياناً ورجال أعمال وشخصيات ذات خلفيات يسارية وحقوقية.
ومنذ بدايته، أثارت العلاقة بين الحزب ومؤسسه جدلاً سياسياً واسعاً، إلا أن الحزب تمكن سريعاً من بناء حضور قوي على المستوى المحلي، إذ حل في المركز الأول خلال انتخابات الجماعات عام 2009، بعد أقل من عام على تأسيسه.
وواصل الحزب حضوره القوي في الانتخابات المحلية، ففي عام 2015 حصل على 6655 مقعداً جماعياً، وتمكن من الفوز برئاسة خمس جهات من أصل 12 جهة في المغرب.
أما على المستوى البرلماني، فكان مسار الحزب أكثر تدرجاً. وحصل في انتخابات 2011 على 47 مقعداً، وظل في صفوف المعارضة، قبل أن يحقق قفزة كبيرة في انتخابات 2016 بحصوله على 102 مقعد، ليحل ثانياً خلف حزب العدالة والتنمية ويواصل وجوده خارج الحكومة.
وشهد الحزب خلال تلك المرحلة أزمات داخلية، كان أبرزها الخلاف الذي اندلع عام 2019 بين الأمين العام آنذاك حكيم بنشماش وخصومه داخل تيار «نداء المستقبل»، قبل أن تتم تسوية الأزمة لاحقاً، ويصل عبد اللطيف وهبي إلى الأمانة العامة للحزب في فبراير 2020.
وشكلت انتخابات 2021 نقطة تحول رئيسية في مسار الحزب، إذ تراجع عدد مقاعده من 102 إلى 87، لكنه حافظ على المركز الثاني ودخل الحكومة للمرة الأولى ضمن ائتلاف مع التجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال.
وتولى وزراء الحزب خلال الولاية الحكومية السابقة عدداً من القطاعات، من بينها العدل والإسكان والتشغيل والطاقة والشباب والثقافة والتواصل، ما أتاح له تقديم نفسه باعتباره طرفاً مسؤولاً عن تنفيذ السياسات الحكومية وليس قوة معارضة فقط.
وفي قطاع الإسكان، أطلقت الحكومة برنامج الدعم المباشر لاقتناء السكن، وقالت الوزيرة فاطمة الزهراء المنصوري في أكتوبر 2025 إن أكثر من 71 ألف شخص استفادوا من البرنامج، بينهم عدد كبير من النساء والشباب ومغاربة الخارج.
وفي وزارة العدل، دخل قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ عام 2025، متضمناً بدائل للعقوبات السجنية القصيرة، من بينها العمل للمنفعة العامة والمراقبة الإلكترونية، وهو أحد الإصلاحات التي ارتبطت بحصيلة وزير العدل السابق عبد اللطيف وهبي.
وفي المقابل، واجه الحزب خلال مشاركته في الحكومة عدداً من الملفات المثيرة للجدل، من بينها امتحان المحاماة الذي أشرفت عليه وزارة العدل في عهد وهبي، والذي شهد احتجاجات وانتقادات واتهامات بالمحاباة.
وفي ديسمبر 2023، واجه الحزب أزمة أخرى بعد توقيف اثنين من أبرز منتخبيه، سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي، على خلفية القضية المعروفة إعلامياً باسم «إسكوبار الصحراء». وأكد الحزب في موقف رسمي آنذاك أن القضية تخص المتهمين بشكل فردي، مع التشديد على مسؤوليتهم أمام القضاء.
كما ظلت قضايا البطالة والقدرة الشرائية والفوارق بين المناطق من أبرز الملفات التي واجهت الحكومة بكل مكوناتها، وهي القضايا التي وضعها حزب الأصالة والمعاصرة ضمن أولويات برنامجه الانتخابي لعام 2026.
وقبل الانتخابات، عمل الحزب على الجمع بين الحفاظ على المنتخبين الذين يمتلكون قواعد انتخابية محلية واستقطاب وجوه جديدة. وكان قد أعلن في يوليو عن 90 رئيس لائحة، بينهم 52 سبق لهم المشاركة في انتخابات 2021، مقابل 38 وجهاً جديداً، مع حضور لرجال الأعمال وأصحاب المهن الحرة والمنتخبين المحليين.
كما استقطب الحزب شخصيات بارزة، من بينها الوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، ورئيس جهة الداخلة وادي الذهب ينجا الخطاط، إلى جانب عدد من البرلمانيين والمنتخبين القادمين من أحزاب أخرى.
واعتمد الحزب خلال المرحلة الأخيرة قيادة جماعية، بعد تخليه في فبراير 2024 عن نموذج الأمين العام الواحد، وأصبحت فاطمة الزهراء المنصوري تتولى تنسيق القيادة إلى جانب محمد مهدي بنسعيد، ولاحقاً فاطمة السعدي، عقب خروج صلاح الدين أبو الغالي من القيادة.
وسعى الحزب خلال حملته الانتخابية إلى تقديم نفسه كقوة قادرة على تغيير مسار السياسات الحكومية، مع التأكيد في الوقت نفسه على مسؤوليته عن جزء من الحصيلة الحكومية السابقة، خصوصاً أنه كان أحد مكونات الائتلاف الحاكم.
وجاء برنامجه الانتخابي تحت شعار «تغيير المسار»، وتوزع على خمسة مواثيق و20 التزاماً، مع تقدير الحزب للكلفة الإضافية لتنفيذ برنامجه بنحو 350 مليار درهم خلال خمس سنوات.
وتضمن البرنامج أهدافاً تشمل خلق ما لا يقل عن مليون وظيفة صافية، وتحقيق معدل نمو متوسط يبلغ 5 بالمئة بين عامي 2027 و2031، إلى جانب خفض ضريبة الدخل، ورفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد، وزيادة الدعم الاجتماعي، وإعادة تنظيم شبكات توزيع السلع بهدف الحد من الوسطاء.
ووضع الحزب الشباب ضمن محاور برنامجه، مستنداً إلى تقديرات تشير إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً خارج العمل والدراسة والتكوين، واقترح برنامجاً لإدماج نحو 300 ألف شاب سنوياً عند بلوغه كامل طاقته.
وتشير النتائج المؤقتة إلى ارتفاع عدد مقاعد حزب الأصالة والمعاصرة من 87 مقعداً في انتخابات 2021 إلى 97 مقعداً في انتخابات 2026، مقابل تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعداً، وحزب الاستقلال من 81 مقعداً إلى 65 مقعداً.
ورغم تصدره النتائج، فإن حصول الحزب على 97 مقعداً لا يمنحه أغلبية منفردة في مجلس النواب الذي يضم 395 مقعداً، إذ تتطلب الأغلبية 198 مقعداً، ما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بالمشاورات السياسية وتشكيل تحالفات لتكوين أغلبية برلمانية بعد إعلان النتائج النهائية.
قد يهمك أيضـــــــا :
"البام" يزيح حزب "الاستقلال" ويفوز بمقعد العيون لأول مرة
"الأصالة والمعاصرة" يحسم مقعدين في الحسيمة واثنين في وجدة
أرسل تعليقك