حظيت ثورة الذكاء الاصطناعي في الصين بدعم حكومي هائل، فيما أشارت تقديرات الاقتصاديين إلى أن الصناديق الحكومية استثمرت أكثر من 184 مليار دولار في شركات الذكاء الاصطناعي، بحسب "نيويروك تايمز".
وبينما تقود بكين حملة واسعة لتسخير إمكانات الدولة في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فإنها تهدف إلى الوصول إلى موقع القيادة العالمية في التكنولوجيا ومنافسة الولايات المتحدة، في سباق تعتبره بكين مرتبطًا بمستقبل اقتصادها وقدرتها على مواكبة التحولات الصناعية. ويقود الرئيس شي جين بينغ هذا التوجه، مؤكدًا أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون "القائد" للثورة الاقتصادية المقبلة، وأن الصين تملك ميزة القدرة على تركيز الموارد ومتابعة تنفيذ أهدافها.
وتحشد بكين التمويل الحكومي والبنية التحتية والقطاع الخاص لتحقيق هذا الهدف. وضخت الصناديق التي تقودها الدولة المليارات في شركات الذكاء الاصطناعي بين عامَي 2000-2023، فيما تعهدت الحكومة والبنوك المملوكة للدولة بمئات المليارات الإضافية خلال العام الماضي. وفي المقابل، بلغ الاستثمار الخاص في الذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة 285 مليار دولار خلال 2025 وحده.
وظهرت هذه الاستراتيجية في المجمعات التكنولوجية التي أقامتها الصين، بحيث تعمل مئات الشركات على تطوير الرقائق المتقدمة ونماذج الذكاء الاصطناعي، فيما توفر الحكومات المحلية عشرات الملايين من الدولارات في صورة قدرة حوسبة مجانية. وفي شنغهاي، عرض حيٌّ حكومي ما يصل إلى 29 مليون دولار على شركات الذكاء الاصطناعي التي تحقق اختراقًا كبيرًا، فيما أنفقت جهة جامعية في بكين نحو 580 مليون دولار على الذكاء الاصطناعي العام الماضي، وأنفقت شنتشن أكثر من 6 مليارات دولار على مجمع صناعي للتكنولوجيا.
ولا تقتصر الخطة الصينية على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تستهدف دمج التكنولوجيا في قطاعات واسعة من المجتمع. وتقول الحكومة إن أدوات ووكلاء الذكاء الاصطناعي يجب أن تنتشر في 90% من المجتمع الصيني بحلول عام 2030، مع استخدام التكنولوجيا في المصانع والمستشفيات والمدارس وأنظمة المرور.
كما تسعى بكين إلى توظيف الروبوتات في مواجهة آثار تقلص السكان وشيخوختهم، بما في ذلك استبدال بعض العمالة وتقديم خدمات صحية رقمية لسكان المناطق الريفية.
ويختلف التركيز الصيني عن السباق الأمريكي نحو الذكاء الاصطناعي العام، إذ يركز المسؤولون في بكين بدرجة أكبر على التطبيقات العملية. وتراهن الصين كذلك على النماذج مفتوحة المصدر، التي ساعدت شركاتها على الوصول إلى مستخدمين حول العالم، في وقت تستخدم فيه شركات أمريكية رائدة أنظمة مغلقة.
وبدأت ملامح هذا المسار قبل أكثر من عقد. ففي عام 2014، دعا شي الصين إلى ألَّا تكون أكبر مشترٍ للتكنولوجيا فحسب، بل أكبر مُصنّع لها أيضًا، بعد تحذيرات بشأن الدور المتوقع للروبوتات المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الاقتصاد العالمي. وفي 2017، أطلقت بكين خطة وطنية للذكاء الاصطناعي حددت هدفًا بأن تصبح الصين رائدة عالميًا في المجال بحلول 2030.
وتلقى الاستراتيجية الصينية دعمًا من توسع القطاع الخاص، خصوصًا بعد ظهور "ديب سيك" الذي أظهر قدرة شركة صينية ناشئة على منافسة وادي السيليكون في النماذج الكبيرة. وفي نهاية 2025، تجاوز عدد شركات الذكاء الاصطناعي في الصين 6 آلاف شركة، وبلغت قيمة الصناعة الأساسية 171 مليار دولار. كما تمتلك الصين أكثر من مليونَي روبوت في مصانعها، وهو عدد يفوق ما تمتلكه بقية دول العالم مجتمعة.
لكن المسار يواجه عقبات، أبرزها نقص المواهب المتخصصة ومحدودية الوصول إلى الرقائق الأكثر تقدمًا. وأنفقت الصين أكثر من 150 مليار دولار خلال عقد لتطوير رقائق متقدمة محليًا، دون تحقيق نجاحات كبيرة حتى الآن. وقال مؤسس "ديب سيك" إن شركته تحتاج إلى رقائق متطورة، وليس إلى مزيد من الأموال.
ورغم هذه القيود والمخاطر المرتبطة بإحلال الذكاء الاصطناعي محل بعض الوظائف وتهديده لسيطرة الحزب على المعلومات، ترفض بكين دعوات إبطاء التطوير، معتبرة أن القيود الأمريكية على الرقائق تجعلها في موقع متأخر، وأن التباطؤ قد يكرس التفوق الأمريكي. وفي المقابل، أثارت سرعة التقدم الصيني مخاوف في واشنطن، خصوصًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الروبوتات والتطبيقات العملية، ما يجعل سباق التكنولوجيا بين البلدين مرتبطًا ليس بتطوير النماذج فحسب، بل بقدرة كل طرف على تحويلها إلى استخدامات واسعة في الاقتصاد والمجتمع.
قد يهمك أيضـــــــا :
جدل في أوروبا حول تعديلات قواعد حماية البيانات لتسهيل تطوير الذكاء الاصطناعي
الرئيس الأميركي يقرر تشكيل قوة متخصصة في الذكاء الاصطناعي وتعيين مسؤول لإدارة الملف
أرسل تعليقك