القطاع يعاني و«حماس» تمانع

القطاع يعاني... و«حماس» تمانع

القطاع يعاني... و«حماس» تمانع

 صوت الإمارات -

القطاع يعاني و«حماس» تمانع

بكر عويضة
بقلم : بكر عويضة

ثَمة مدن سيئة الحظ في أركان المعمورة كلها. مدينة غزة إحداها. معروف للكل، بمن فيهم عوام الناس، أن سوء حظ مدينة يختلف عن طبيعة بؤس غيرها، وفق تباين الظروف. هناك مدن قُدر لها أن تجلس في أحضان فوهات براكين، ليست تدري متى تنفجر الحمم فتأتي على اليابس كما الأخضر. وهناك عواصم، أو كبريات مدن، شاءت لها الأقدار أن تُحاط بحزام خط الزلازل، ما إن تتنفس الصعداء بعد أحزان ما خلف الدمار، حتى تميد الأرض من جديد، فإذا بكل ما ارتفع من بناء ينهار مجدداً. بيد أن سوء الحظوظ في غزة أشمل وأسوأ من مجرد اكتظاظ مليوني إنسان، تقريباً، على امتداد شريط ساحلي ضيق، إذ وضعها القدر في مركز صراع لم تلُح في الأفق نهاية له ذات أمد طويل منذ وُجِد. إنه «تسونامي» متعدد الأوجه، يهدأ فجأة، كأنه يرتاح كي يلتقط الأنفاس قليلاً، ثم يثور غاضباً فإذا به يحصد الأرواح ويكتم الأنفُس، بلا تمييز بين كهل وعجوز، أو رضيع وصبي. لكن هذه «التراجيديا» المتصلة الحلقات بلا انقطاع، ليست حكراً على غزة المدينة فقط. كلا، الواقع أن القطاع بكل أجزائه أبتلي بأشكال عدة من المعاناة طوال عشرات القرون، وباختلاف الأزمان، وعلى أيدي قرون عدة، أو أمم متباينة الأجناس، اختلفت رايات أولياء أمورها، وتعددت مرامي زعماء جُندها، إذ كان لكلٍ من تلك الأقوام، التي مرت بغزة، رؤى بألوان متمايزة، في ظاهرها بهجة تسر الناظرين، وفي باطنها عذابات أطماع مُعتدين، لذا مارسوها بلا إنسانية ترحم ثكالى الأمهات، ولا أيتامَ مفقودين دخلوا أنفاق الغزاة، وما خرجوا منها أبداً. كل هذا لن يغيب حقيقة أن غزاة غزة نصبوا الخيام على ساحل بحرها، أقاموا في روابيها، شيدوا القلاع، وبنوا الحصون، ثم رحلوا عنها بلا رجعة. أو يختلف كثيراً، إذن، مآل غزوة إسرائيل للقطاع عن سابق الغزوات؟
كلا، لن يختلف. في أول المطاف قد يربح الأقوى، إنما في آخره، لن يصح إلا الصحيح. هم يعرفون ذلك، ويدركون جيداً أن عمر أي اغتصاب، أو احتلال، لأي أرض قصير، مهما طال. مع ذلك، تجِدهم يجدون في بعض من أصحاب الحق المُغتصب، العون الذي يطيل عمر عدوانهم ويزيد من إمعانهم في استمراء الباطل. يا للمفارقة الأشد مرارة من القول الشائع «شر البلية ما يضحك». المشكل في البعض المعني هنا يتمثل في العجز عن تلمس أهمية الإبداع في العمل السياسي. من أول أسس تميز أدائك في عملك، أياً كان مجال اختصاصك، أن تتمتع بحد أدنى من الخيال، وأن تنجح في توظيف تلك الخاصية في تحقيق الدرجة الأقصى من النجاح. حركات النضال الفلسطيني، وفي مقدمها حركتا «فتح» و«حماس»، فشلت في إثبات قدرتها على منازلة إسرائيل، الطرف الأقوى، سواء في ترسانة السلاح، أو ترسانات الدعم الدولي، بذكاء أدهى من وسائل خداع تملأ قبعات الساحر الإسرائيلي. الإنصاف يقتضي القول إن حركة «فتح» حاولت لكنها لم تستمر. أما «حماس» فلم تحاول، لأن بنيانها العقائدي مختلف تماماً، وهو قائم، في الأساس، على مبدأ أن أرض فلسطين وقف إسلامي ليس جائزاً التفاوض سياسياً بشأن تبعية أي جزء منه لسلطات غير إسلامية. إذ ذاك هو الحال؛ هل من جدوى أن تُطرح على قيادة «حماس» اقتراحات تقوم على تسويات سياسية مع إسرائيل؟
أيضاً؛ كلا. ليس ثمة فائدة حقاً، تُجنى من اقتراح حلول سياسية على حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي». منهج الحركتين يتعارض أساساً مع منطق التعاطي سياسياً مع إسرائيل تحديداً، وأكاد أشك في إمكانية تعاطيهما بروح العمل السياسي القائم على صفاء نيات فعلاً، مع أي من التنظيمات الفلسطينية ذات التوجه الليبرالي، أو العلماني. هل من غرابة، إذن، في أن تسارع «حماس» إلى رفض قاطع لعرض يائير لابيد، وزير الخارجية الإسرائيلي، تطوير البنية التحتية للقطاع، بما في ذلك إصلاح شبكة الكهرباء، مقابل وقف الهجمات ضد إسرائيل؟ إطلاقاً، ليس ثمة ما يثير الدهشة. ما دامت قيادات «حماس»، داخل فلسطين وخارجها، تُحكم سيطرتها على غزة، لن يضيرها أن تتواصل معاناة أهل القطاع، على كل الأصعدة، وأن تستمر، من جانبها، في أن تمانع، بل وتمنع أيضاً إمكانية التوصل إلى تسويات مع إسرائيل، ولو مؤقتاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القطاع يعاني و«حماس» تمانع القطاع يعاني و«حماس» تمانع



GMT 17:50 2024 الأربعاء ,12 حزيران / يونيو

عودة الجغرافيا السياسية: حرب أوروبا

GMT 20:10 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

السم بالتذوق

GMT 20:03 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

مراهنات خطيرة في السودان

GMT 19:59 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الحرب الأهليّة في تأويل «حزب الله» لها

GMT 19:55 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

السعودية... الحقبة الخضراء

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 10:54 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أحدث سعيدة خلال هذا الشهر

GMT 18:51 2021 الأربعاء ,10 شباط / فبراير

طموحات وأحلام لمؤدي رقصات التنين في فيتنام

GMT 03:55 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

جزر الملكة شارلوت في كندا رحلة إلى العزلة على حافة العالم

GMT 21:56 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

السجاد اليدوي الكردي جزء من التراث والفلكلور في كردستان

GMT 07:58 2018 الخميس ,18 تشرين الأول / أكتوبر

محمد بن راشد لملايين "الطلبة العرب" مستقبلكم هو التعليم

GMT 02:58 2018 الثلاثاء ,09 تشرين الأول / أكتوبر

حسن الرداد يكشف مفاجآت لجمهوره في "تخاريف" الاثنين المقبل
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates