بقلم: عمرو الشوبكي
تردد كثيرًا طوال الأسبوع الماضى اسم مقر عمدة نيويورك، وهو مكان أنيق رغم بساطته يحصل عليه عمدة المدينة المنتخب. وقد استقبل فيه العمدة الحالى زهران ممدانى العديد من زعماء الدول الذين ذهبوا لإلقاء خطبهم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مثل الرئيس البرازيلى لولا دى سيلفا، وميشيل مارتن رئيس وزراء إيرلندا، ورئيس وزراء النرويج بجانب طبعًا الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.
وقد استقبل ممدانى عشية إلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلى كلمته أمام الأمم المتحدة عائلات فلسطينية من غزة وشاركهم زراعة شجرة زيتون فى حديقة المقر، ونشر فى اليوم التالى مقطعًا للقاء وكتب: «زرعتُ الليلة الماضية شجرة زيتون مع عائلات فلسطينية من غزة. عسى أن يكون للسلام مستقبل».
وقد مثل «نموذج ممدانى» عكس «نموذج ترامب»، ومع ذلك نجح أن يكون محل اهتمام الكثيرين وذهب إليه الأخير، قبل إلقائه كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعقد معه مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا.
والحقيقة أن مشهد لقاء الرئيس الأمريكى مع عمدة نيويورك فى مقر الأخير «يُدرَّس» لأنه من ناحية الشكل لقاء بدون عقد ذهب فيه الرئيس لمقر الأخير دون أن يعتبر أنه هو الذى يستدعى، إنما لأن كليهما منتخب فأصبحت العلاقة تُدار من أجل الصالح العام رغم الخلاف العميق بينهما، ومن ناحية أخرى فإن لحظة انتقال كل طرف من مرحلة الحملات الانتخابية والشعارات السياسية إلى الممارسة العملية، وتحديدًا ممارسة السلطة، تُغير الحال، فالرئيس قال عن ممدانى إنه شيوعى وجهادى، والأخير قال عنه إنه «فاشى» وهى شعارات «ليس عليها جمرك»، كما أن كل طرف ينتمى لمدرسة فى الحكم والإدارة عكس الآخر، ومع ذلك نجحت دولة المؤسسات فى أن تضبطهما على التعاون من أجل الصالح العام دون أن تلغى الخلاف السياسى بينهما. ولذا لم يكن غريبًا أن يتفق الرجلان فى حديثهما عن رغبتهما فى تسهيل حياة أهل نيويورك وجعلها أفضل، وتكلما عن مشكلات الناس المعيشية، وأنها هدف تحركاتهما وتعاونهما لصالح المواطن.
وإذا كان من المؤكد أن ترامب يحب الأقوياء، سواء كانوا فى روسيا أو الصين أو إسرائيل، ولا يحب من يعتبرهم ضعفاء فى أوكرانيا وفلسطين وأوروبا، فإنه وضع ممدانى المختلف معه جذريًا بين هؤلاء الأقوياء، مما سهل عملية التواصل معه.
لقاء ترامب مع عمدة نيويورك فى مقره له أكثر من دلالة من حيث الشكل والمضمون، فهو يؤكد أن الحفاظ على الصالح العام قيمة عليا فى الدول الديمقراطية، وأن التواصل والتعاون بين المختلفين سر نجاح هذه النظم لأن ذلك يتم تحت مظلة الدستور والقانون والصالح العام، وأن تحول مقر إقامة عمدة نيويورك على بساطته إلى قبلة يأتى إليها مختلف زعماء العالم لهو دليل على أن ترامب ليس الصورة الوحيدة عن أمريكا.