بقلم:حنا صالح
كان رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يشدد أمام الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، على أن اللبنانيين «بعدما دفعوا أغلى الأثمان من استقرارهم وأمنهم اختاروا الدولة» التي ربطت بين أولويتَي «الانسحاب الإسرائيلي وسحب السلاح اللاشرعي»، وأن «لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراع الآخرين»، و«يتطلع إلى صفحة جديدة مع إيران، علاقة سليمة من دولة إلى دولة، واحترام سيادة كلٍّ منهما واستقلالها».
أتى رد بزشكيان صاعقاً؛ لتمحوره حول «أهمية المقاومة في المنطقة وليس فقط في لبنان»، مما يعني اعتبار لبنان ساحة نفوذ وليست دولة ذات سيادة؛ أي استمرار «محور المقاومة» ربطاً بـ«مذكرة التفاهم»، متعامياً عن واقع أن أحداث مضيقَي هرمز وباب المندب وما بينهما تجاوزتها، وعن واقع أن لبنان هو من يفاوض عن نفسه بنفسه، ولا رابط بين القضية اللبنانية ومشروع إيران التوسعي!
إذا كان هذا موقف ما يسمى الجناح المعتدل في طهران، فكيف يكون الأمر مع «الحرس الثوري» و«بيت المرشد» و«مقر خاتم الأنبياء»؟ وللتذكير فإنه في زمن الرئيسين خاتمي وروحاني صدّر قاسم سليماني «ثورة» الخميني إلى المنطقة عبر أذرع «فيلق القدس». أطلق خطط التغول على دولها، فكان التباهي بالسيطرة على 4 عواصم عربية، نتيجة الجيوش الرديفة التي أنشأتها طهران والبنى التحتية الملازمة لها من عسكرية ومالية واجتماعية رُبطت بالنظام في إيران. لتفضي تلك الثورة ونظامها، وفق ما وصّفه الزميل حازم صاغية، إلى «رقمٍ قياسي في تدمير البلدان وموت البشر، بمن فيهم الإيرانيون، مما يجعلها كبرى نكبات المنطقة».
تبعاً لذلك؛ لا أولوية عند النظام الإيراني تفوق حماية واجهته اللبنانية وسلاحها ونفوذها، بعد السقوط المريع في سوريا، والخروج النهائي من غزة، فيما النفوذ الإيراني في العراق موضِع أخذٍ وجذب. هذه الأولوية لا ترى لبنان إلاّ جزءاً من المشروع الإقليمي الإيراني، ولو أدى ذلك إلى سقوط آلاف جديدة من الضحايا، ومزيد من التجريف والأرض المحروقة، والاقتلاع القسري، والويلات التي تعُمُّ كل لبنان. والأخطر هو عمق النكبة الجنوبية التي جعلت كل مجتمع «جبل عامل» أمام غياب أي أفقٍ لحل مستدامٍ في أفقٍ منظور!
النهج الإيراني حيال لبنان، هو نفسه حيال المنطقة والتعاطي مع العالم الأبعد، وقد تُوّج بالذهاب إلى أخطر بلطجة على مضيقَي هرمز وباب المندب، بما يمكِّن طهران من التحكم في الاقتصاد العالمي (...) والرهان الإيراني على أن ذلك سيُفضي لأن تبرم مع الولايات المتحدة صفقة تكرس انتصارها (...)، مما سيطلق العنان لمشروعها الآثم ضد المنطقة العربية وأهلها. إنه الدور الموكل للعصابات «الحوثية» في اليمن وميليشيات في العراق. وجليٌّ أن المشروع النووي، والمشروع الباليستي والمسيَّرات والأذرع، عناصر متكاملة لاستهداف جوار إيران أولاً، والهدف الحقيقي يبقى الوهم بالسيطرة الشاملة والاستئثار بالثروات!
المراوحة السياسية في المفاوضات، وما يرافقها بين فترة وأخرى من بالونات دعائية، ينسفها تفاقم سياسة قرصنة المضايق العالمية، مما يوفر كل الأسباب لحرب مرشحة للاكتمال، سيتصاعد قرع طبولها بعد الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، أياً كانت نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس. إن الخطر كامن في السياسات الإيرانية التي أوصدت أبواب الحلول المستدامة، وعجَّلت العودة إلى الحرب التي لم تكتمل!
إذَّاك المؤكد غياب أي توقع بنهاية سريعة للحرب الزاحفة، مما قد يفتح مجدداً باب التصعيد الإسرائيلي في لبنان، ربطاً بالموقف الانقلابي لـ«حزب الله»، نيابةً عن مشغِّليه في طهران، والمتمثل بتمسكه بالسلاح، وبالمقاومة، التي جرّت الويلات: إبادة بشرية، وخسارة الأرض، واقتلاع أهلها، والغدر بهم وبالبيئة. وبعيداً عن نهج التخوين الذي يتّبعه هذا الفريق الذي صار ظاهرة صوتية، يتوقع أن تصعد إسرائيل من عدوانيتها وتمددها في الأراضي اللبنانية، وما يُروَّج في إسرائيل يؤكد وجود نيّات ربط «المنطقة الصفراء» بقلعة الشقيف شمال الليطاني، ومنع العودة الطبيعية إلى منطقة النبطية!
الأخطار على لبنان داهمة وزاحفة، والوقت كالسيف، فالجنوب شهد تطهيراً عرقياً مرشحاً لأن يتسع، لأنه ليس سراً أن تل أبيب، منذ حرب «إسناد» غزة، باتت ترفض وجود كتلة مؤيدة لـ «حزب الله» على حدودها (...) لذا حذارٍ ثم حذارٍ من أي «تكويعة» تمس جوهر «الاتفاق الإطاري» الثلاثي، لأنها ستُحدث «نقزة» عند الأميركيين، مما يزيد الموقف اللبناني ضعفاً على ضعف.
إن «الاتفاق الإطاري» هو الوثيقة الأساسية التي حملت موافقة تل أبيب على إعادة انتشار قواتها إلى خارج حدود لبنان، مما يُسقط بالتالي ما تسمى «منطقة صفراء» أو «رمادية». وأمرُ الانسحاب الإسرائيلي، ولو متدرجاً، استند إلى معادلة جوهرية: الأرض مقابل السلاح، وهو ما شدّد عليه الرئيس سلام أمام الرئيس الإيراني. والباقي اليوم قبل الغد وضعه في التنفيذ، بشكلٍ تدريجي وحيث يكون ذلك ممكناً، ولِمَ لا تكون البداية القرى الشيعية الخالية من الاحتلال الإسرائيلي التي يطالب أهلها بإنهاء السلاح والمظاهر المسلحة غير الشرعية؟