مشهد لا يتسق مع تاريخ فرنسا القريب

مشهد لا يتسق مع تاريخ فرنسا القريب

مشهد لا يتسق مع تاريخ فرنسا القريب

 صوت الإمارات -

مشهد لا يتسق مع تاريخ فرنسا القريب

بقلم - سليمان جودة

تاريخياً كانت فرنسا ترى نفسها الدولة الأهم في أوروبا، وكانت ترى ذلك وهي مدفوعة بأفكار رجلين في تاريخها القريب، أما الأول فكان نابليون بونابرت في القرن التاسع عشر، وأما الآخر فكان شارل ديغول في القرن العشرين.

وقد كانت ترى نفسها الدولة القائدة في القارة لا الدولة الأهم فقط، لأن الأهمية يمكن أن تقترن بالقيادة ويمكن ألا تقترن، وربما كان هذا هو الذي راح يغذي إحساساً عميقاً لديها، بأنها هي التي لا بد أن يشار إليها على الشاطئ الشرقي للمحيط الأطلنطي، إذا كانت الإشارة على شاطئه الغربي من حظ الولايات المتحدة الأميركية في المقابل ومن نصيبها معاً.

وكانت القيادة في نظرها تعني أن تقود نفسها، ثم القارة العجوز من ورائها، إلى شيء من الاستقلالية عن السياسة الأميركية. كانت ترى ذلك إذا فاتها أن تقود في الحالتين من أجل الاستقلالية كلها لا مجرد بعضها، وقد كانت تنجح في ذلك مرات كثيرة، وكانت تخفق في بعض المرات.

وعندما جاء الرئيس إيمانويل ماكرون إلى قصر الإليزيه، فإن مجلة «تايم» الأميركية أيقظت هذه المعاني كلها في داخله، وكان ذلك عندما وضعت صورته على غلافها، لا بوصفه شخصية السنة في العالم كما تفعل في العادة، ولكن بوصفه «الرجل القادم في أوروبا» على حد تعبيرها، وهي تقدمه إلى الذين لم يكونوا يعرفونه وقتها.

وكان هو من ناحيته جاهزاً لذلك ومستعداً، فتصرف على هذا الأساس طوال ولايته الرئاسية الأولى، ثم واصل التصرف نفسه في ولايته الثانية الحالية التي تنتهي في 2027.

وعندما بدا أن اليمين السياسي المتشدد يتقدم في فرنسا بزعامة مارين لوبان، وأنه يمكن أن يحوز النسبة الأعلى في انتخابات البرلمان التي جرت جولتها الأولى بداية الأسبوع، فإن ماكرون ظهر منفعلاً وهو يقول إنه باقٍ في الإليزيه إلى نهاية الولاية الثانية. ولا أحد يعرف لماذا انفعل في حديثه إلى هذه الدرجة؟ ولكن الغالب أن انفعاله كان راجعاً إلى إحساسه بأنه جاء منذ البداية ليقود قارة لا دولة، وأنه ليس هو الذي يمكن أن يهدد بقاءه تقدم اليمين المتطرف.

ولأن الملامح النهائية لصيغة الحكم بين حزب «معاً من أجل الجمهورية» الذي يقوده الرئيس، وحزب «التجمع الوطني» الذي تقوده مارين، لم تتضح بالقدر الكافي بعد، فهذه قضية مؤجلة مؤقتاً، أما القضية غير المؤجلة فهي هذا التغيير الذي طرأ على الروح الفرنسية السياسية، فجعل اليمين المنغلق يتقدم في الحظوظ الانتخابية فيحصل على ثلث الأصوات، بينما الانفتاح الذي يمثله حزب ماكرون يتراجع ويتأخر!

لقد جاء وقت على فرنسا كانت فيه هي التي قادت انفتاحاً ليس فقط على مستوى أوروبا وحدها، وإنما على امتداد حوض البحر المتوسط كله، وذلك وقت كان الرئيس نيكولا ساركوزي سيداً يحكم في الإليزيه.

وقتها سعى ساركوزي في التأسيس للاتحاد من أجل المتوسط، الذي نشأ في 2008 بقيادة مشتركة بين باريس والقاهرة، وكان الاتحاد تجربة سياسية فريدة من حيث الرغبة في أن يكون حوض المتوسط أفقاً للتعاون بين دول شمال البحر ودول الجنوب، وما لبثت الصيغة أن اتسعت لتستوعب دول القارة الأوروبية كلها مع دول الشاطئ الجنوبي للبحر.

والذين تابعوا نشأة الاتحاد في حينه، وأسعدهم أن تكون هذه هي أهدافه، أو أن يكون هذا هو الميدان الواسع الذي يلعب فيه أعضاؤه من الجانبين، لا يستوعبون هذا التحول الذي يكاد ينتقل بالاتحاد على يد اليمين المتطرف الزاحف، من باب مفتوح بين شمال البحر وجنوبه، إلى نافذة مغلقة لا تسمح بالتواصل ولا بالتعاون.

كان من الوارد أن يتقدم مثل هذا اليمين في ألمانيا مثلاً، وكان المبرر الجاهز عند تقدمه على أرضها، أن فيها حزباً اسمه «البديل من أجل ألمانيا»، وأنه حزب لا يتصور وجوداً لغير الألمان على الأراضي الألمانية ولا في أوروبا نفسها، وقد كان ولا يزال يواجه مقاومة من بقية الألمان الذين يجدونه مخاصماً لروح العصر.

كان من الجائز أن يتقدم مثل هذا اليمين في أي بلد أوروبي، إلا أن يكون هذا البلد هو بلد فولتير الذي عاش يقاتل من أجل فكرة الحرية في العلاقات بين الدول والأفراد معاً. لقد بنى فولتير بيته على الحدود الفرنسية - السويسرية. وكان فولتير قد أمضى حياته متنقلاً بين حدود البلدين، كأنه أراد أن يقول إنه لا شيء يجب أن يعوق حركة الناس بين الدول، ولا أن يقف في طريق حرية هذه الحركة.

كان من الجائز أن يتقدم اليمين المتشدد في أي بلد، إلا أن يكون هذا البلد هو فرنسا، وإلا فإنها تخون مبادئ فولتير ولا تقيم لها الاعتبار الواجب، فضلاً عن أنها تبدو كأنها خارج سياق تاريخها القريب.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مشهد لا يتسق مع تاريخ فرنسا القريب مشهد لا يتسق مع تاريخ فرنسا القريب



GMT 21:27 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

يؤانا إقلاديوس!

GMT 21:25 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الدراسات المستقبلية

GMT 21:24 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

بكين …!

GMT 21:23 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

شعرة معاوية الإيرانية

GMT 21:22 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

مصريتنا حماها الله

GMT 21:20 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

استعدادات كبرى للحج!

GMT 21:19 2026 الإثنين ,25 أيار / مايو

الجانب الناقص

GMT 22:09 2026 الأحد ,24 أيار / مايو

استحمَّت في مغطس هتلر

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

القاهرة - صوت الإمارات
واصلت يارا السكري تأكيد حضورها كواحدة من أكثر النجمات الشابات أناقة خلال مشاركتها في فعاليات مهرجان كان السينمائي 2026، حيث لفتت الأنظار بسلسلة من الإطلالات الراقية التي جمعت بين البساطة والفخامة، واعتمدت خلالها تصاميم مجسّمة أبرزت رشاقتها بأسلوب أنثوي ناعم وعصري. وفي أول ظهور لها على السجادة الحمراء للمهرجان، تألقت يارا بفستان أبيض طويل بدون أكمام بقصة مستقيمة مجسّمة، تميز بتفاصيل الدرابيه الهندسية عند منطقة الخصر وانسدل بذيل ناعم منح الإطلالة طابعاً ملكياً راقياً. ونسقت معه مجوهرات ماسية فاخرة وتسريحة الكعكة العالية مع مكياج نيود هادئ ركز على إبراز ملامحها الطبيعية. كما ظهرت خلال إحدى الأمسيات الخاصة بإطلالة سوداء كلاسيكية، اختارت فيها فستاناً مجسماً بقصة الكورسيه والكتفين المكشوفين، مع ياقة هندسية عصرية أضافت لمسة ...المزيد
 صوت الإمارات - مقتل عنصرين من الحرس الثوري في قم بانفجار مخلفات حرب

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يشير هذا اليوم إلى بعض الفرص المهنية الآتية إليك

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 21:02 2019 الأحد ,27 كانون الثاني / يناير

إليك أفضل تصاميم أرضيات غرف النوم العصرية

GMT 14:15 2020 الثلاثاء ,14 كانون الثاني / يناير

عبدالله بن زايد يقدم واجب العزاء في وفاة قابوس

GMT 12:16 2017 الجمعة ,06 تشرين الأول / أكتوبر

هيفاء وهبي ترد على المنتج محمد السبكي بالقانون

GMT 08:50 2019 الثلاثاء ,25 حزيران / يونيو

خالد الصاوي يتصدّر "تويتر" بعد رقصه على أغنية "دي دي"

GMT 08:38 2019 الأحد ,07 إبريل / نيسان

انقسام داخل الهلال السعودي حول مصير كاريلو

GMT 03:22 2017 الجمعة ,29 كانون الأول / ديسمبر

تتويج نادي النخيل الرياضي بطلا لمنطقة عسير

GMT 00:46 2017 الأحد ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

رانيا يوسف تؤكد سبب رفضها العمل مع غادة عبدالرازق

GMT 17:54 2020 الأحد ,27 كانون الأول / ديسمبر

حملة واسعة في دبي اليوم للتطعيم ضد «كورونا»
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates