بقلم:خالد منتصر
يتساءل البعض عن سبب تراخى ترامب عن مد يد المساعدة والعون للسعودية فى مواجهتها مع الحوثيين، ويبررون ذلك بأنه بعد أن وضع يده على فنزويلا، واعتقل رئيسها الذى كان يزعجه، وأحضره من غرفة نومه، إلى زنزانة أمريكية، اكتفى ببترول فنزويلا التى تعوم على بحر نفط، يكفى أمريكا حتى يصل أحفاد ترامب لسن الشيخوخة، لكنى أرى أن هذا الطرح يحتاج إلى مناقشة وتحليل، ولا أدعى امتلاك معلومات عن الكواليس ومطبخ صنع القرار، لكنها مجرد تحليلات وانطباعات من خلال قراءة المشهد، بداية نقول نعم، بترول فنزويلا حجمه ضخم جدًا، ويمكنه من حيث الكميات تعويض ما تستورده أمريكا من السعودية، لكن هذا لا يعنى تعويض دور السعودية وتهميشها إطلاقًا فى سوق النفط العالمية، ففنزويلا تمتلك احتياطيًا يقارب ٣٠٣ مليارات برميل، لكن الاحتياطى هو النفط الموجود تحت الأرض، أما ما تستطيع استخدامه أمريكا فيعتمد على الإنتاج والتصدير، ومعظم الاحتياطى الفنزويلى خام شديد الثقل، يحتاج إلى تجهيزات واستثمارات، وقد عانى قطاع النفط هناك من تدهور البنية الأساسية، وكل هذا الجهد والعناء يحتاج إلى وقت طويل، وأمريكا قارة مترامية الأطراف لا تحتمل الانتظار، وعندما راجعت حجم الواردات الأمريكية من السعودية على الإنترنت وجدتها أقل بكثير مما تصورت، فقد بلغ متوسطه نحو ٢٦٩ ألف برميل يوميًا خلال ٢٠٢٥.
وللمقارنة، استوردت أمريكا من فنزويلا ٧٠١ ألف برميل يوميًا فى يوليو ٢٠٢٦، أى أن الكميات الفنزويلية الواصلة بالفعل تجاوزت متوسط الواردات السعودية فى السنة السابقة، مع مراعاة اختلاف الفترتين، وفى مقارنة للفترة نفسها، تظهر البيانات الأسبوعية الأولية للأسبوع المنتهى فى ٢ أكتوبر ٢٠٢٦، أن واردات أمريكا اليومية ٦٢٤ ألف برميل من فنزويلا، بينما السعودية ٢٢٨ ألف برميل، أى أن الواردات من فنزويلا بلغت نحو ٢٫٧ ضعف الواردات من السعودية فى ذلك الأسبوع، وإن كانت بيانات أسبوع واحد تتغير مع مواعيد وصول الناقلات، وهناك فرق آخر، فليست كل أنواع الخام بدائل متطابقة؛ فالمصافى تختار خليطًا يناسب معداتها، وإن كان الخام الفنزويلى ملائمًا لعدد من مصافى ساحل الخليج الأمريكى، إذن، تعويض البراميل السعودية التى تشتريها أمريكا ممكن من حيث الحجم، لكن فقدان إمدادات السعودية إلى العالم مسألة أكبر بكثير، لأنه يؤثر فى الأسعار التى يدفعها الجميع، وهذه الأرقام تقوّى فكرة أن اعتماد أمريكا المباشر على النفط السعودى ليس بالحجم الذى نتصوره حقاً، لكنها وحدها لا تثبت أن ترامب تردد فى التدخل ضد الحوثيين بسبب بترول فنزويلا، قد يمنحه نفط فنزويلا هامشًا أوسع للمناورة، لكن هامش المناورة لا يعنى الاستغناء عن السعودية، فالنفط ليس مخزنًا واحدًا يستبدله الرئيس بمخزن آخر. الاحتياطيات الموجودة تحت الأرض تختلف عن البراميل التى يمكن إنتاجها وتصديرها اليوم. ثم إن أسعار النفط تتحدد فى سوق عالمية: اضطراب الإمدادات السعودية أو الملاحة الإقليمية يستطيع رفع كلفة الطاقة على الأمريكيين، حتى لو اشتروا نفطًا من فنزويلا. وقد تزامنت الهجمات الأخيرة مع استمرار ارتفاع الأسعار والقلق على الإمدادات، وما تكشفه الوقائع حتى الآن هو تردد فى تحمل كلفة التدخل المباشر، مع استمرار الدعم وإبقاء خيار المشاركة مفتوحًا، أما عبارة «أخذ بترول فنزويلا فترك السعودية»، فهى مجرد استنتاج يحتاج إلى مراجعة، فغالبًا ترامب يوازن بين حماية حليف مهم وكلفة دخول مواجهة جديدة، واحتمال اتساعها، وما يستطيع تحقيقه بالدعم غير المباشر.