ماذا جرى للستر في عالم الفضح

ماذا جرى للستر في عالم الفضح؟

ماذا جرى للستر في عالم الفضح؟

 صوت الإمارات -

ماذا جرى للستر في عالم الفضح

بقلم - مأمون فندي

ماذا جرى لمفهوم الستر في عالم الفضح و«السوشيال ميديا»؟ مفهوم الستر عند العرب هو مفهوم متعدد المعاني والدلالات، ففيه من معاني التغطية مقابل معاني الكشف والفضح، (يا صاحب السر منا لا تكشف الستر عنا). ومن معانيه الستارة والحجب، وفيه أيضاً من معاني السر مقابل الجهر، وهنا بُعد ديني يخص الجهر بالمعاصي أو البلوى، في سياق: «إذا بليتم فاستتروا»، ومع ذلك فليس كل الجهر معصية، فالجهر المحمود له مكانه: «وأما بنعمة ربك فحدث».

وللستر أبعاد ثقافية ودينية واجتماعية تكاد تكون كالبصلة، قشرة فوق قشرة، وطبقات بعضها فوق بعض. وظني أنه مفهوم فيه خصوصية عربية يندر وجودها في الثقافات الأخرى بالمعنى الواسع والشامل.
عالم «السوشيال ميديا» الجديد، وخصوصاً في ظاهرة «إنستغرام» و«سناب شات» و«تيك توك» و«يوتيوب» جعل من الفضح سلعة يمكن بيعها، ولها تسعيرة مادية، ومن هنا ننتقل إلى ثمن الفضح (monetised) الاجتماعي.
في هذا العالم الجديد، الإنسان هو من يفضح أحواله ولا يحتاج لمن يفضحه، ومع ذلك رغم ازدياد الفضح الشخصي فإن الفضح فيما هو عام في مجالات السياسة والاقتصاد يتناقص كثيراً، لدرجة أن التغطية الصحافية أصبحت حرفياً وسيلة تغطية لا وسيلة كشف.
في عالم تجاوز مفهوم الستر في الخاص أيضاً، حدث ما يمكن تسميته «تطبيع الفضيحة»، أي أن الفضيحة الشخصية لم تعد تلفت الأنظار، ولا بد من أن تصل لمستويات قصوى حتى تصل إلى مستوى «الترند»، كتقطيع جسد امرأة في العلن، مثلما حدث في فتاة المنصورة نيرة أشرف التي قطع زميلها رأسها أمام بوابة الجامعة، وكذلك مقتل فتاة أخرى (سلمى بهجت) الأسبوع الفائت في مدينة الزقازيق (محافظة الشرقية). فقط بالتطرف في القتل، والتفنن في لفت الأنظار، يمكن أن يكون الفضح متجاوزاً لما هو مطبع، ويمكن أن يصل إلى مستوى «الترند». فبدلاً من تسابق المجتمعات في البحث عن الستر، دخلنا مرحلة البحث عن الفضح. القتل في العلن وما دونه لا يلفت الأنظار. وفي كلتا الفضيحتين السابقتين (الجرائم) لا الصحافة قامت بالاستقصاء المطلوب، ولا البوليس والبحث الجنائي شرح الأسباب، ولم يكن هناك تدخل استباقي لمنع الجريمة. ومن هنا يمكن القول إنه حتى الأجهزة الأمنية تم تخدير عقلها، لترى أن القتل بهذه البشاعة أصبح طبيعياً ولا يحتاج إلى تفسير.
الستر في بعضه ما زال موجوداً فيما يمكن تسميته «الستر الانتقائي» في إطار: «اللي يحبك يبلع لك الزلط واللي يكرهك يتمنى لك الغلط»، أي أننا نفضح ما نريد ومن نريد، ونغطي من نريد وما نريد.
فكم ممن أجرموا يمشون في الأرض دونما أن يلفتوا نظرنا؛ لأننا قررنا جميعاً أننا تجاوزنا الحادثة، فقد يحاكم فرد ويخرج بعفو صحي، ثم يمارس حياته بكامل اللياقة، وقد نسي المجتمع الجريمة. وهذا النوع من المؤامرة الاجتماعية على الستر أو غض الطرْف، يتسيد المشهد في عالم «السوشيال ميديا» الجديد الذي يكون الفضح لا الصمت هو الأساس.
نظن أحياناً أن الغطاء في رمزية غطاء الرأس عند المرأة هو التيار الجارف، وأن الفضح ينحسر، ولكن من يراقب «السوشيال ميديا» يرى بوضوح أن الفضح والتغطية أو الستر يعملان معاً، وبالقوة ذاتها، كحالة طفلين ملتصقين. فقط نلاحظ ما هو مركز لاهتماماتنا؛ سواء أكانت التغطية أو الفضيحة.
موضوع الستر في عالم «السوشيال ميديا» بشقيه الخاص والعام، يحتاج إلى حوار في مجتمعاتنا من مداخل مختلفة: ثقافية، واجتماعية، وسياسية، وحتى دينية. نحتاج إلى حوار حول «تسليع» النفس، وحول «سوقية» العرض الكاذب الذي يقدمه البعض.
المشكلة هي ليست في الستر والفضح، ومَن ينتج هذا المحتوى السوقي، ولكن المشكلة أيضاً في المستهلك لهذا المحتوى. ونحن جميعاً مذنبون في الاستهلاك السيئ، ولولا وجود مستهلك للسلع السيئة لتوقف أصحابها عن إنتاجها.
الستر بالمعنى القديم والدلالات الأوسع تغيرت معانيه في هذا العالم الجديد، ونحن جميعاً مطالبون بالتأمل العميق، ومتابعة هذا التغير الذي يحدث للمفاهيم الأساسية لثقافتنا، حتى لا نجد أنفسنا نسبح في ماء تلوث كله، ونحن آخر من يعرف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا جرى للستر في عالم الفضح ماذا جرى للستر في عالم الفضح



GMT 02:30 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السادة الرؤساء وسيدات الهامش

GMT 02:28 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

«وثائق» عن بعض أمراء المؤمنين (10)

GMT 02:27 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

من يفوز بالطالب: سوق العمل أم التخصص الأكاديمي؟

GMT 02:26 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

روبرت مالي: التغريدة التي تقول كل شيء

GMT 02:24 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية وفشل الضغوط الأميركية

إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - صوت الإمارات
تجلت هوية الوطن في احتفالات اليوم الوطني السعودي الـ96 عبر تفاصيل أزياء راقية حملت ملامح الماضي التليد وروح الحاضر واكتست بآفاق المستقبل، حيث تحولت إطلالات المشاهير إلى مساحة إبداعية تعبر عن الانتماء بأسلوب معاصر يجمع بين جماليات العمارة النجدية وتفاصيل اللوك الحجازي وتراث المنطقة الوسطى ورمزية النخيل والتطريزات الأصيلة. وتألقت المهندسة المعمارية الداخلية نوف المنيف بفستان مستوحى من جماليات العمارة النجدية وتفاصيلها المميزة بتصميم يجمع بين الملامح التراثية والخطوط المعاصرة من توقيع المصممة خديجة السنيدي مؤسسة علامة IKH. واختارت المصممة هبة بنت حسان بن حسين فرّاش إطلالة حجازية تستحضر أناقة الماضي بروح حديثة وقدمت قراءة عصرية للإرث الحجازي من خلال النقشات والتطريزات المعبّرة عن ذاكرة المكان والانتماء في جلسة تصوير بعدØ...المزيد

GMT 21:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 04:18 2015 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

عاصفة ثلجية قوية متوقعة على شمال شرق أميركا

GMT 05:00 2018 الجمعة ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

وارنوك يتوقّع توديع كرة القدم مع فريق "كارديف سيتي"

GMT 14:05 2017 الإثنين ,11 أيلول / سبتمبر

تاي ديلينجر يكشف عن رأيه في مواجهة ستايلز في nxt

GMT 10:43 2017 الإثنين ,09 كانون الثاني / يناير

معمر الإرياني ينظّم حملة للتوعية بخطورة التطرف

GMT 20:58 2020 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

ديجون الفرنسي يتجه لضم منديل بشكل نهائي

GMT 17:38 2018 السبت ,15 كانون الأول / ديسمبر

26 لاعبًا في قائمة "الأبيض" الإماراتي لمعسكر دبي

GMT 22:50 2014 السبت ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

ارتفاع طفيف على درجات الحرارة فى فلسطين

GMT 07:31 2017 الخميس ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

أسوس تستعد لإطلاق لاب توب جديد بنظام ويندوز 10
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates