حين استمعت ليبيا إلى ذاتها

حين استمعت ليبيا إلى ذاتها

حين استمعت ليبيا إلى ذاتها

 صوت الإمارات -

حين استمعت ليبيا إلى ذاتها

بقلم : يوسف الديني

بعد خمسة عشر عاماً على سقوط نظام معمر القذافي، تقف ليبيا أمام فرصة تاريخية للخروج من مأزقها وربما كانت هي أكثر الفرص جدية وواقعية حيث لا شيء في العالم السياسي خصوصاً أن الأزمة امتدت منذ لعنة ما سُمي بـ«الربيع العربي» وما أعقبها من تدخلات عسكرية خارجية وانهيار مؤسسات الدولة وحروب أهلية وانقسامات مناطقية واحتراب على كل المستويات.

مؤخراً وقّع ممثلو المؤسسات الليبية المتنافسة في طرابلس خريطة طريق تهدف إلى إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز أربعة وعشرين شهراً، والأهم أن يتم ذلك «تحت سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة».

بالطبع لم تكن هذه المحاولة الأولى لكنها من خلال متابعتي للتفاصيل و«لحن القول»، بدت أكثر جدية ورغبة في الخلاص من هذا الكابوس الليبي الجاثم على البلاد ومع ذلك لا ينبغي التعامل معها بتفاؤل مفرط. اختلافها في نظري عن المحاولات السابقة يكمن في أمر جوهري وهو طبيعة الأطراف التي وقّعتها وما تمثله من مراكز القوة الفعلية في البلاد، حيث جمعت صيغةُ «4+4» ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية، والمجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب، والقيادة العامة للجيش الوطني الليبي.

وهي صيغة تعترف بالواقع كما هو من دون تزييف أو تزيين، وهذه خطوة ليبية شجاعة تجاوزت ما شهدناه منذ انكسارات «الربيع العربي» من القفز على الواقع بتصورات وخرائط مثالية لا تجد طريقها إلى أرض الواقع.

والحال أن ليبيا دفعت ثمناً باهظاً للانقسام الذي لم يكن معبّراً حقيقياً عن تجانس المجتمع الليبي الذي يحظى بميزة الدين واللغة والنسيج الاجتماعي الواحد، وصولاً إلى الذاكرة الوطنية التي تستحضر أيقونات جامعة يتقدمها عمر المختار، ومع ذلك، انقسمت البلاد منذ عام 2014 بين شرق وغرب، وتعددت الحكومات والبرلمانات والجيوش والميليشيات، وأصبح النفط الذي كان من المفترض أن يكون دافعاً لإعادة التفكير في بناء دولة قوية مسنودة بحالة اقتصادية جيدة وحجم ديمغرافي معقول، إلا أنه تحول إلى مورد للانقسام والتنافس على السلطة، ومن هنا رأينا كيف فشلت الانتخابات المقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021 بسبب الخلاف حول القوانين وأهلية المرشحين، ثم تحولت المرحلة الانتقالية إلى حالة مستدامة.

ما الدرس الليبي الذي يمكن أن نلتقطه هنا في حالات مشابهة من نماذج ما بعد لحظة «الربيع العربي» وتفكك الدولة؟ من أهم دروس التجربة الليبية أن الانتخابات وحدها لا تبني دولة.

فالاقتراع من دون قاعدة دستورية متفق عليها، ومؤسسة انتخابية مستقلة، وضمانات لقبول النتائج، قد يتحول إلى وقود للصراع. ودرس آخر هو أن الاقتصاد قد يكون عامل إذكاء الحرب الأهلية والانقسامات؛ لذلك فهو لا يُغني عن توافق سياسي فاعل، ومع ذلك فإن مركزية الاقتصاد وضبطه سيسهمان في الحد من تمويل الانقسامات، وهنا خطوة ثانية لا بد من الإشادة بها، حيث إن عام 2026 هو أول عام اعتُمدت فيه ميزانية موحدة في البلاد منذ عام 2013، وأدرك كل الأطراف استحالة استمرار حالة البنك المركزي في تمويل حكومتين متوازيتين لمدة طويلة، ومن هنا يجب توقف تقاسم عوائد النفط على طريقة غنائم الحرب بين المتنافسين ومن تحتهم من شبكات النفوذ والتأثير من أجل بقاء توازن هش قد يقود إلى تفجّر الأوضاع في البلاد كما رأينا في الاحتجاجات الأخيرة.

درسُ الدروس هو أن غياب الدولة ومؤسساتها يحوّل أي بلاد إلى ساحة مفتوحة وسوق سوداء لتدخلات وتقاطعات المصالح والقوى الخارجية والإقليمية من خلال تبني أفكارها من أطراف محلية، ومن هنا فإن التحدي الأكبر اليوم للدول المنخرطة في الشأن الليبي أنْ تغيِّر استراتيجيتها من رعاية وتبني الفرقاء إلى ضمان تسوية عادلة تضمن إخراج ليبيا من الأزمة وتأسيس ضمانات برعاية أممية لتنفيذ خريطة الطريق وحماية العملية الانتخابية ومنع عرقلة الحلول بالقوة أو التحشيد السياسي.

شعر الليبيون باليأس الذي منه يولد الخلاص أحياناً، كما قال الروائي الليبي إبراهيم الكوني، إذ إن نجاح هذه الفرصة الليبية يبقى مرهوناً بمساندة دول الاعتدال وفي مقدمتها السعودية التي تراهن دائماً على فضيلة الاستقرار، وتدرك أن قوة المنطقة تبدأ من استعادة الدولة الوطنية ووحدة مؤسساتها وسيادة قرارها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين استمعت ليبيا إلى ذاتها حين استمعت ليبيا إلى ذاتها



GMT 23:42 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

جائزة وراءها تاريخ

GMT 23:42 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

أشعار زوربا

GMT 23:41 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

ماذا لو لم يحصل حادث السيّارة؟!

GMT 23:39 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

العرض والطلب على الغاز

GMT 23:38 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

على ماذا تراهن الفصائل الإيرانية؟

GMT 23:38 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

الانسداد خطر داهم

GMT 23:37 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

العاصمة الجديدة

GMT 23:36 2026 الثلاثاء ,01 أيلول / سبتمبر

لماذا نقرأ؟

الملكة رانيا أيقونة أناقة عالمية بصمة فريدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة

عمّان - صوت الإمارات
في عيد ميلادها الـ56، يتجدد الحديث عن الأسلوب الفَريد الذي كَرّس مكانة الملكة رانيا العبدالله كإحدى أبرز أيقونات الأناقة في العالم. فِعلى مدى أكثر من عقدين، لم تقتصر اختياراتها على ارتداء الأزياء التي تتلاءم مع البروتوكولات الرسمية، بل نجحت في تحويل حضورها إلى محطة تُتابعها الصحافة الدولية بشغف إلى جانب سيدات العائلات المالكة حول العالم. ولا يعود هذا النجاح اللّافت إلى أسماء الدور التي ترتدي منها فحسب، بل إلى قدرتها الاستثنائية على اختيار ما يناسب كل الحدث بذكاء؛ فهي تدرك تماماً متى يتطلب الموقف فستاناً ملكياً فاخراً، ومتى تكون البدلة العملية أو التنورة والقميص خياراً أكثر تأثيراً، وكيف يمكن لإطلالة ناعمة وبسيطة أن تخطف الأنظار بقوة. حافظت الملكة رانيا منذ ظهورها الأول على طابع يجمع بين المحافظة والعصرية، فغدت القصّات ا...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 19:12 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 14:38 2019 الإثنين ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

تساعدك الحظوظ لطرح الأفكار وللمشاركة في مختلف الندوات

GMT 20:28 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:45 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 21:04 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مغاسل الرخام تضفي جمالًا على ديكور الحمامات

GMT 05:55 2018 الجمعة ,26 كانون الثاني / يناير

حارس الفتح يأسف للهزيمة في كأس خادم الحرمين

GMT 17:43 2014 الثلاثاء ,07 كانون الثاني / يناير

تامر حسني .. باعث الأمل ومحطم اليأس

GMT 19:20 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الأحد 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 12:10 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء غير حماسية خلال هذا الشهر
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates