درس ترمب وماسك

درس ترمب وماسك

درس ترمب وماسك

 صوت الإمارات -

درس ترمب وماسك

بقلم : يوسف الديني

لم تكن الحرب الكلامية التي اندلعت بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإيلون ماسك، مجرد خلاف شخصي بين رجلين اعتادا لفت الأنظار وتصدّر العناوين، ولم تكن أيضاً لحظة عابرة من الاضطراب في صفوف التيار اليميني الأميركي؛ بل هي لحظة كاشفة لتصدع عميق في تحالف تكتيكي جمع بين نخبة تكنولوجية ذات طموحات معولمة واقتصادات سوق حرة، وبين شعبوية سلطوية ذات نزعات انتقامية. ففي خلفية هذا الصراع المعلن تقف رؤية متضادة ظاهرياً، لكنها متكاملة بالعمق في تجريف ما تبقى من نزعات الدولة الليبرالية الحديثة، خصوصاً من الناحية القيمية، وتحويلها إلى أداة للهيمنة أو الاستحواذ، أو الإنقاذ المتخيّل للعالم. هذه ليست معركة بين يسار ويمين؛ بل بين نموذجين للتغيير الشمولي: شعبوي مدفوع بتجاوز وربما كراهية للمؤسسات واحتقار النخب، وتدمير تكنوقراطي مدفوع بوهم تجاوز الإنسان والمجتمع إلى ما بعد الدولة، وما بعد المؤسسات والديمقراطية.

والحق يقال، بدا تحالف ترمب - ماسك منذ البداية غريباً في جوهره، لكنه كان منطقياً في ظرفه المتصل بالانتخابات، وما تفرضه من تحالفات مصلحية. احتاج ترمب إلى رمزية ماسك، عبقري وادي السيليكون، بوصفه دليلاً على أنه قادر على استمالة رموز الابتكار رغم عدائهم التقليدي له. واحتاج ماسك إلى النفاذ إلى قلب الدولة الأميركية، من العقود والتسهيلات وصولاً إلى التنظيمات والحوكمة. ورغم تباين الخطاب، فإن المشروعين كانا يتقاطعان في ازدراء ما آلت إليه مضامين الدولة المتخيلة للديمقراطيين، باعتبارها كياناً ينبغي تقليصه لا تعزيزه. كلاهما، بطرقه المختلفة، يرفض فكرة الدولة كفضاء عام، وكحَكم محايد، وكمؤسسة ضامنة للعدالة والمساواة. الدولة، في عيون ترمب، سوق سلطوية للصفقات والولاءات؛ وفي عيون ماسك، مجرد مورد عابر لتمويل مشاريع عابرة للحدود.

هذا التحالف لم يصمد طويلاً لأنه لم يكُن تحالفاً على القيم؛ بل على المصلحة. وحين بدأت التشريعات تمس مصالح أحد الطرفين أو تخرج عن نطاق السيطرة، انهار الخيط الأحمر الرفيع. لم يعُد ماسك قادراً على إخفاء انزعاجه من سياسات ترمب الاقتصادية، لا لأنها تعمّق التفاوت الطبقي أو تضر بالفقراء؛ بل لأنها تهدد أرباحه، ورغم ضجيج المعركة، فإن الاشتباك الحقيقي ليس حول الضرائب أو العقود أو حتى مشروع القانون ذاته؛ بل حول طبيعة الدولة الأميركية في العقد المقبل. هل ستكون دولة مرهقة بتحديات الرعاية ومتطلبات الطبقات المهمشة؟ أم منصة لنقل الثروة من الأسفل إلى الأعلى؟ وهل يمكن لقيم الديمقراطية المؤسسة أن تصمد أمام تحالف المال والشعبوية؟ ترمب من جهته مصرّ على تمثيل «الطبقة العاملة البيضاء»، لكنه في الواقع يقود أعنف موجات إعادة توزيع الثروة منذ عهد ريغان، عبر قوانين ضريبية تمنح الأغنياء امتيازات هائلة، وتقصي الملايين من برامج الحماية الاجتماعية. وماسك، رغم صورته رائد أعمال عبقرياً، تبدى تجسيداً شرساً لنشأة أوليغارشية رأسمالية لا تؤمن إلا بالتوسع، ولو على حساب ملفات التعليم والصحة والرعاية وكل هذا تغذى على أخطاء كارثية ارتكبها الديمقراطيون منذ لحظة أوباما.

الانقسام بين الرجلين كشف أيضاً وهم ما كان يقال عن قدرة الشعبوية على توحيد الطبقات المهمشة مع النخب المنتجة. بينما تروج حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» لخطاب معادٍ للمؤسسات بالتحالف مع رؤوس الأموال، مما أدى إلى استياء القواعد، ونفوذ النخب التقنية هو ما سمح لترمب بالصعود، ولماسك بالحصول على دعم واسع رغم عدائه الصريح لفكرة الدولة الاجتماعية. ومن هنا لم يكن التحالف قابلاً للاستمرارية، لأنه يقوم على أوهام متضادة: النخبة التقنية تريد تجاوز الدولة كلياً، بينما الشعبوية الترمبية تريد الهيمنة عليها واستخدامها أداة لتصفية الحسابات تجاه أعدائه.

من هنا، فإن الصدام بين ماسك وترمب لحظة كاشفة ومبكرة للتناقضات التي استبطنها ذلك التحالف، ولم يكن محض صدفة، فهو يفضح التوتر الجوهري بين رؤيتين للدولة: واحدة تعتبرها عبئاً على المخيال التكنولوجي، وأخرى تعتبرها وسيلة للإثراء والقوة. كلاهما لا يرى الدولة أداة لتحقيق الصالح العام. وهما وإن اختلفت المقاربة، اتفقا على تدشين مشروع لتفكيك الضمانات الاجتماعية، إما باسم الفاعلية أو باسم السيادة. وبينما يتحدث ماسك عن «الوعي البشري» و«استعمار المريخ»، تتآكل شبكة الأمان الاجتماعي في أميركا، وتُسحق الطبقات العاملة بين ضرائب غير عادلة وتخفيضات في برامج الصحة والتعليم.

ويُظهر هذا الاشتباك أيضاً فشل النخب التقنية في تقديم بديل ديمقراطي حقيقي. فالنخبوية التكنولوجية، التي تدّعي الحياد والعلم، عاجزة عن التعامل مع السياسة بوصفها مجالاً للنزاع والتفاوض. هي ترى الدولة إما عدواً أو مصرفاً، لكنها لا تؤمن بها إطاراً مؤسسياً للعدالة والعمل على الصالح العام. وماسك، رغم خطابه المستقبلي، يعيد إنتاج أسوأ ما في النيوليبرالية: اقتصاد بلا مساءلة، وتكنولوجيا بلا أخلاق، وطموحات كونية من دون مسؤولية تجاه المواطنين.

من جهته، فترمب على مدى المائة يوم لا يزال يعيد إنتاج خطاب مغلّف بوعود الخلاص. ومن المفارقة أن الرجلين، رغم الصراع، يشتركان في ازدراء فكرة المؤسسات والتشاركية كعملية بطيئة ومعقدة وربما مؤلمة، وهما يسعيان إلى نتائج فورية وسريعة، مع التهرب من شروط اللعبة الديمقراطية: الشفافية، والمحاسبة، واحترام القانون. درس ترمب وماسك يؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن درس هذا الصراع هو أن التحالفات المبنية على المصلحة لا تصمد أمام لحظات الحقيقة، وأن الخلاص لا يأتي لا من الشعبوية ولا من وادي السيليكون؛ بل من إعادة بناء السياسة كفن للعبة تشاركية شديدة السيولة والمراجعة، لا كملكية حصرية لرجال الأعمال واستبداد السوق.

والسؤال الذي يطرح اليوم بين المحللين والمقاربين لهذه المعركة خارج نافذة الأخبار العاجلة وتريندات التواصل الاجتماعي بما تحمله من سخرية: هل ينهار المشروعان معاً؟ ربما. لكن الأهم أن ندرك أن معركة المستقبل ليست بين ماسك وترمب؛ بل بين مجتمع يؤمن بالدولة ومؤسساتها، وتحولها لبوابة عبور أو في أحسن حال لمشروع تصحيحي لا مكان فيه لليقين الذي لا يصلح في عالم السياسة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

درس ترمب وماسك درس ترمب وماسك



GMT 20:18 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أول عسكري وآخر مدني... فرصة لرد الجميل

GMT 20:16 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لا يخفى شيءٌ في الكرَك!

GMT 20:15 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

من يحاصر تعز لا ينصر غزة!

GMT 20:14 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

العراق بين الاكتفاء الذاتي وأزمة إمدادات البنزين

GMT 20:13 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

امتحان لا مهرب منه

GMT 20:12 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الشرق الأوسط بين انتخابين

GMT 20:11 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

الجائزة التي ينتظرها (خروج آمن)

GMT 19:57 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

أبعاد حادث الكرك

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة - صوت الإمارات
تزامناً مع ختام شهر أكتوبر/تشرين الأول، شهر التوعية بسرطان الثدي الذي يكتسب فيه اللون الوردي دلالة إنسانية ورمزية خاصة، حضرت تدرّجات الوردي بقوة على السجادات الحمراء العالمية والعربية باختيارات استثنائية راوحت بين النعومة والجرأة، لتستعرض النجمات أحدث صيحات الموضة التي تجمع بين الرقي ودعم الرسائل الإنسانية. وتألقت العارضة وأيقونة الموضة العالمية هايلي بيبر في حفل متحف الأكاديمية (Academy Museum Gala) بفستان مُصمْم لها خصيصاً باللون الوردي الفاتح من توقيع دار "شانيل" (Chanel) تحت إدارة ماتيو بلازي؛ حيث تميز التصميم بقصّة العمود المنسدلة وفتحة ظهر منخفضة، إلى جانب تطريز دقيق حول الياقة المرتفعة بستايل الهالتر بخرز متلألئ وسلاسل ناعمة ولمسات ذهبية، لتؤكد أن الوردي هو الخيار الأرقى في ختام الشهر الوردي. ومن جانبها، خطفت النجمة اÙ...المزيد

GMT 19:57 2026 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

بقائي يرد على ترامب ويؤكد أن واشنطن اعتادت نقض التزاماتها
 صوت الإمارات - بقائي يرد على ترامب ويؤكد أن واشنطن اعتادت نقض التزاماتها

GMT 19:42 2026 الثلاثاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%
 صوت الإمارات - لقاح جديد لسرطان الجلد يخفض خطر عودة المرض أو الوفاة بنسبة 42%

GMT 13:17 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك ظروف جيدة خلال هذا الشهر

GMT 16:21 2018 الخميس ,22 آذار/ مارس

"الرفوف " لمسة من العملية والجمال في منزلك

GMT 03:32 2022 الأربعاء ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

آفاق رحبة لنمو الاستثمار الأجنبي في الإمارات

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

أعد النظر في طريقة تعاطيك مع الزملاء في العمل

GMT 12:57 2019 الإثنين ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

"غوغل" تشتري "فيتبيت" للساعات الذكية بـ 2.1 مليار دولار

GMT 00:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

خالد الحلفاوى ضيف "لسة فاكر" على نجوم إف إم

GMT 21:08 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

إليك 10 أماكن لا تُفوت زيارتها إذا كنت من عشاق المغامرة

GMT 17:03 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

وزير التعليم البريطاني يحذر من خطورة سياسة خنق أراء طلاب
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates