بقلم: عبد المنعم سعيد
استكمالا لشهادتى، يوم الأحد 5 يوليو الجارى، عن القانون 93 لعام 1995، حيث كنت مديرا لمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام؛ وعلى صلة وثيقة برئيس تحرير الأهرام ورئيس مجلس الإدارة عندما نشبت أزمة ما سمى وقتها «قانون حبس الصحفيين». جوهر الأزمة كانت له أبعاد قانونية حول حرية الصحفيين فى ممارسة أعمالهم فى نقل المعرفة إلى الجمهور العام. المسألة كانت مقننة لحقوق الصحفى فى نقل حقيقة ما ينقله من واقع موضوعى جاء من الطبيعة أو من البشر؛ ولكن بات السؤال ماذا لو كان أى من هذا وذاك كاذبا أو يتضمن جريمة من كذب أو قذف، فهل يتحملها الصحفى؟. بالنسبة لى كانت القضية معقدة، ويتدخل فيها ما إذا كان مقصودا ومعبرا عن نية لا نعرف مدى فجورها وتقواها!. ما ظهر من الواقع كان أن الأمر سوف يكون مصيدة قانونية للصحفيين سوف يتم اصطيادهم فيها فى عصر كان فيه سقف الحريات يرتفع بفعل انتشار إصدار الصحف، ومعها بدأت الفضائيات تطل على الساحات السياسية.
الجلسة التى عقدها أ. إبراهيم نافع مع كبار الصحفيين، وكنت مشاركا فيها، وعرض فيها الأهداف الاستراتيجية التى نريد تحقيقها، وهى إلغاء القانون، والحفاظ على وحدة الصحفيين، ولا خصومة وصدام مع الدولة. لكثيرين، فإن هذه الأهداف لم تكن منسجمة، وكان هناك كثيرون ممن يريدون الاصطياد فى المياه «العكرة»؛ ولكن كان هناك مَن يتحلون بالمسؤولية فى الوصول إلى الهدف. وكان أول اختبار هو اليوم التالى لاجتماع الدور الثانى عشر فى الأهرام، وفى مبنى نقابة الصحفيين، حيث انعقد مجلسها الذى كان ينعقد مع الانعقاد الدائم للجمعية العمومية للنقابة. دخلت مبنى النقابة، وفى حديقتها وجدت الأستاذ صلاح عيسى فى انتظارى، ومعه بيان موجه للصحفيين، كان بالغ السخونة والظن السلبى للنوايا الحكومية. قرأت البيان، وقلت فورا إن هذا «بيان» رائع يعبر عن الصحفيين؛ ولكن لابد من بعض التحرير؛ ووسط نظرات الشك رحت أقرأ معه جملة جملة، وسطرا سطرا بتأنٍّ شديد أحذف كلمة هنا، وأضيف كلمة هناك تحت حجة لا تأثير سلبيا على وحدة الصحفيين ولا صدام مع الحكومة. الأستاذ كان يعرف بذكائه الخارق ما أقوم من تبريد البيان بفعله، كما كان يدرك الحرج الذى كنت واقعا فيه حتى يمكن عبور الأزمة بسلام وفقا للأهداف الموضوعة، خاصة أننى لم أكن أكثر من عضو فى النقابة؛ وعلى الأرجح أن البيان كان ناتجا عن ائتلاف جماعات ساخنة، بينما يتوافق مع ما رأيت، وهو انتظار اجتماع مجلس النقابة وانعقاد الجمعية العمومية.
شكرته عندما طوى البيان بعيدا، وسارت الأمور بعد ذلك فى تناغم. مسيرة النقابة وصلت أحيانا إلى بعض المزايدات الصوتية، وتولاها الأستاذ عادل حسين، ولعب دورا مهما فيها الأستاذ حسين عبدالرازق، الذى كنت أعتبره وزوجته فريدة النقاش أول مَن علمنى الصحافة عندما أصدرا مجلة «رسالة إفريقيا»، وأصبحت كاتبا فيها عام 1975. ما كان مدهشا بالنسبة لى كان جولتى فى كواليس السلطة عندما قابلت الأستاذ د. فتحى سرور، والسيد صفوت الشريف ود. أسامة الباز، والوزير عمر سليمان؛ وكانت صلتى بهم لا تزيد عن الاحترام لمؤسسة الأهرام ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية. الأول قال إنه مستعد لإعادة عرض القانون على مجلس الشعب إذا رغبت القيادة السياسية، والثانى كانت خلاصته أنه ليس لديه يد فى الموضوع، والثالث وعد بعرض الأمر على الرئيس، والرابع عبر عن امتعاضه بالحدث ذاته، أى صدور القانون، ولكن ذلك كان بعيدا عن أمور أكثر أهمية.
ما جرى بعد ذلك استمر عاما هدأت فيه الأمور حول القانون، وقام الأستاذان إبراهيم نافع ولطفى الخولى بالوساطة، وكنت شخصيا كثير السفر فى هذا الوقت، ولكن د. محمد السيد سعيد واصل «النضال» فى الموضوع، وكان يوافينى بالتطورات التى تراوحت ما بين تعديل القانون مرة أخرى أو وضع قانون جديد أو العودة إلى القانون الذى كان «ويا دار ما دخلك شر»، كما قال. الخلاصة كانت نجاحا للصحفيين والحكومة؛ والأهم كان القدرة على تحمل مسؤوليات وطنية واستمرار الصحافة والإعلام فى القيام بواجباتهما. كان العالم آخذا فى التغير السريع؛ مع صرخة تكنولوجية جديدة جعلت من الفضائيات هجوما كاسحا على المهنة؛ وهى نوبات سرعان ما انضمت إليها المواقع الإلكترونية وأشكال مختلفة من التواصل الاجتماعى، وجميعها باتت تحديا كبيرا للصحافة والحكومة، ظهر عندما اجتمعت اللجنة الوطنية لتطوير الإعلام، حيث طرحت أخطر القضايا الصحفية فى العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين. كان ذلك آخر مشاركاتى فى نقاشات شائكة حول الصحافة والإعلام ومستقبلهما. الحديث عن ذلك قصة أخرى على أى حال.