المجتمعات المعنفة

المجتمعات المعنفة!

المجتمعات المعنفة!

 صوت الإمارات -

المجتمعات المعنفة

بقلم : محمد الرميحي

ظاهرة اجتماعية سياسية في معظم فضائنا العربي، تتمثل في الانقلاب السريع من التأييد الكامل وولاء التزلف للأشخاص أو الأنظمة، إلى النقد اللاذع المحمل بكراهية مريرة، بمجرد أن يسقط النظام.

سعد بيومي في روايته «يوميات سعد عباس: 1952-1958»، أي الست سنوات بعد قيام الثورة المصرية، يسرد للقارئ كيف تحولت صحف وأشخاص وأحزاب، من اعتبار الملك فاروق وكأنه من سلالة القديسين، إلى رجل فاسد ومغامر وشرير، نفس الصحف ونفس الأشخاص، كما نذكر بيتاً لشاعر عراقي يخاطب فيه صدام حسين حيث يقول له: «لولاك ما ظهر القمر»!! غير مجموعة الألقاب والكرامات التي وصفت صدام بأوصاف كادت أن توصله إلى سلالة القديسين، ثم انقلب الجميع بعد ذلك، فبانت حفلات القتل والشر والجهل في شخصيته وأقربائه بعد سقوطه.

ويكاد المرء أن يجد نفس الظاهرة فيما بعد بشار الأسد، لقد انقلب مباشرة رجال قريبون جداً منه ونظامه وكانوا يدافعون عن نظامه بأحط الكلمات ضد الآخرين معارضين أو دولاً عربية، وما إن سقط حتى رفعت راية التجريح والسخط، على نظام كانوا فيه من عظام الرقبة.

كيف نفسر هذه الظاهرة؛ الولاء الأعمى والدفاع عن الشر، ثم الانقلاب عليه بعد ذلك انقلاباً وكأنه يرى تلك المساوئ لأول مرة؟

إنها ظاهرة «المجتمعات المعنفة» التي تقوم فيها السلطة بإخضاع الجميع إلى نمط من التفكير الشمولي، ينتشر في المجتمع، ومن يزايد يقترب من السلطة أكثر، التي ديدنها التعنيف، ولقد شهدنا وزراء وسفراء وفنانين يكيلون المديح لكل شاردة وواردة من تلك الأنظمة الاستبدادية، ثم ينقلبون عليها.

في الثمانينات من القرن الماضي، كان هناك اجتماع لوزراء الخارجية العرب في الكويت، وكان الخلاف على أشده حول بعض الملفات؛ حيث حمل الثوريون العرب، إن صح التعبير، كل جهلهم إلى المنصات العامة والمنابر السياسية، وحاول العقلاء تبصيرهم بالمخاطر، فإذا بالمرحوم وزير الخارجية السوري وقتها عبد الحليم خدام يستشيط غضباً في النقاش، فيوجه كلاماً خارجاً عن السياق؛ ليجد رداً مناسباً من سعود الفيصل رحمه الله. تلك هي الثرثرة الآيديولوجية التي يتبناها العاملون في الأنظمة الاستبدادية؛ حيث تخرج عن التفكير العقلاني.

ويمكن تسمية مثل هؤلاء بحملة المباخر، فقد أصبح خدام في وقت لاحق أكثر شراسة ضد النظام الذي خدمه.

في رواية «يوميات سعد عباس»، يقول قريبه الذي يعمل في البوليس السياسي، محذراً إياه من العمل بالسياسة، ورداً على سؤال كيف تخدم النظام الجديد وأنت كنت جزءاً من النظام القديم، قال لقد غيروا الرئاسات لا السياسات!

الخوف يظهر أبشع ما في الإنسان، معظم السجانين الصغار في سجن صيدنايا الرهيب في الغالب قاموا بعملهم خوفاً من العقاب، وكان تصورهم أنهم كلما قسوا على السجناء وأذلوهم، رضي عنهم الذين أوكلوا لهم تلك المهمة، وما ظهر من فظائع في سجون ومعتقلات الأسد الأخرى تنفر منه البشرية، ويسأل الإنسان نفسه، أي بشر يبرر لنفسه ما تم فعله من فظائع.

من بقي على قيد الحياة من الذين عملوا مع صدام حسين يرون أيضاً الهوائل من الأحداث، ومتوفر اليوم على الشبكة الدولية أو في المقابلات التي سجلت للبعض منهم ما يكفي أن يعرف الناس كم من احتقار للإنسان، قامت به تلك الأنظمة، وما زال بعضها في المنطقة تحت شعارات «تصدير الثورة» تقوم بنفس الممارسات، ويكذب متحدثوها «كذب الإبل» على مستمعيهم ومشاهديهم في التسويق لتلك الأنظمة، وهم أول من يعرف أن ما يقولونه دافعه الخوف، فهم يعيشون في مجتمع معنف لا صوت يعلو إلا المزايد.

المجتمعات المعنفة لا تستطيع أن تبني تنمية، ولا تستطيع أن تحارب وتنتصر، ولا تستطيع أن تُشيد أوطاناً، هي تأكل نفسها بنفسها، وأمامنا اليوم تجارب سودان البشير، وسوريا الأسد، وعراق صدام، وليبيا القذافي وما قبلهم ومن سوف يأتي بعدهم بنفس صراخ الشعارات وسيوف القمع.

لقد فشل «حزب الله» في الدفاع عن بعض بيئته في الجنوب اللبناني، كما فشل النظام السوري في البقاء، رغم استنجاده بقوى كبيرة، وانقسمت ليبيا على نفسها، وما زالت تجربة التعافي في العراق معوقة، تحمل الكثير من إرث الماضي، لقد تركت كل تلك الأنظمة مجتمعاً معنفاً، يحمل جرثومة عدم التعايش مع غيره، وحتى مع نفسه.

الخروج من ذلك المأزق صعب ومكلف، ويحتاج إلى رجال تُحسن قراءة الأحداث، وتقدم ترياقاً يرمم ما قد قام به العسكر أو شبه العسكر من تمزيق لنفسية الإنسان.

آخر الكلام: رغم كل ذلك العنت فإن رجلاً ونساء قد قاوموا الاستبداد، بعضهم بأرواحهم وآخرون بمستقبلهم، كما فعل، كمثال، قيصر، الذي هرّب الصور المرعبة لبشاعة النظام السوري.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المجتمعات المعنفة المجتمعات المعنفة



GMT 00:09 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

أخطاء إيران وحَّدت العالم ضدها

GMT 00:07 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

الزيارة الأميركية والإمكانات الحاضرة

GMT 00:06 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

الكويت والبحرين و«ردع» الخليج

GMT 00:05 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

أسئلةٌ لا تغيب وفلاسفةٌ تجيب

GMT 00:04 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

النَّووي السّعودي والأسئلة الصَّعبة

GMT 00:03 2026 الأحد ,26 تموز / يوليو

ناس من راس بيروت

فساتين هنا الزاهد النهارية تجمع بين الأنوثة والعصرية

القاهرة - صوت الإمارات
تستعرض النجمة الشابة هنا الزاهد خيارات ساحرة للإطلالات الصيفية النهارية، مؤكدة أن الأناقة اللافتة لا تتطلب تفاصيل مبالغاً فيها، بل تعتمد بالأساس على حسن اختيار الفستان بقصته وألوانه وطبعاته ليمنحكِ حضوراً مفعماً بالحيوية والأنوثة في مختلف مشاويرك. وتتنوع اختياراتها بين الفساتين الوردية الرومانسية، ونقشة البولكا دوت الكلاسيكية، والأزرق السماوي المنعش، وصولاً إلى طبعات الورود المبهجة التي تتناغم مع أجواء الموسم، مسبغة على خزانة الصيف طابعاً يجمع بين الراحة والأناقة العصرية. تجلت أنوثة الزاهد في إطلالة وردية رومانسية أطلت بها بفستان قصير من قماش التويد الناعم، جاء بقصة محددة للقوام وتنورة واسعة تضفي حيوية وحركة، مع حمالات رفيعة مزينة بفيونكات بيضاء كبيرة أضفت لمسة مرحة وعصرية، واكتملت الإطلالة بحقيبة يد باللون الوردي...المزيد

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 14:56 2017 السبت ,23 كانون الأول / ديسمبر

بلدية دبي تحصل على 3 شهادات مطابقة

GMT 12:01 2018 الخميس ,27 أيلول / سبتمبر

روبرت مردوخ يعلن بيع أسهمه في شركة "سكاي تي في"

GMT 12:16 2018 الأحد ,16 أيلول / سبتمبر

نهى عابدين تكشف عن الأكلات المفضلة لديها

GMT 23:05 2018 الخميس ,06 أيلول / سبتمبر

انخفاض قياسي لشعبية الرئيس الفرنسي ماكرون

GMT 11:41 2018 الخميس ,06 أيلول / سبتمبر

إطلاق هاتف Nubia Alpha الذكي الأكثر تطورًا في العالم

GMT 01:54 2014 الأحد ,05 تشرين الأول / أكتوبر

إعصار قوي يجلب أمطاراً غزيرة ورياحاً قوية في اليابان

GMT 08:48 2015 الأربعاء ,23 كانون الأول / ديسمبر

جيجي حديد تبدو أنيقة في بنطلون جينز ومعطف رمادي قصير

GMT 03:21 2020 الأحد ,13 كانون الأول / ديسمبر

طرق فعّالة لمقاومة جفاف البشرة في الشتاء

GMT 08:51 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

أفكار من الخشب تساعدك على ترتيب منزلك ومنحه الفخامة
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates