السودان المسيّرات والحسابات الخاطئة

السودان: المسيّرات والحسابات الخاطئة!

السودان: المسيّرات والحسابات الخاطئة!

 صوت الإمارات -

السودان المسيّرات والحسابات الخاطئة

بقلم : عثمان ميرغني

 

مع هزائمها المتتالية والمتسارعة في الميدان، لجأت «قوات الدعم السريع» لاستخدام الطائرات المسيّرة بشكل متزايد مع التركيز على استهداف منشآت البنية التحتية الحيوية. آخر هذه الهجمات كانت منتصف الأسبوع الحالي عندما هاجمت المسيّرات محطة سد مروي لتوليد الكهرباء في شمال السودان، وأحدثت أضراراً نجم عنها انقطاع التيار الكهربائي في عدد من الولايات من بينها الخرطوم. لم يكن هذا الهجوم هو الأول من نوعه على السد ومنشآته، ولا هو الوحيد الذي يستهدف محطات توليد الكهرباء في أنحاء متفرقة من السودان، فيما يبدو أنه استراتيجية متعمدة لضرب هذا القطاع الحيوي، ومحاولة إرباك حياة الناس.

مسيّرات «الدعم السريع» لم تستهدف فقط المنشآت المدنية والحيوية، بل استهدفت المواطنين أيضاً مثلما حدث في مدينة الدبة هذا الأسبوع، وقبلها في مدينة الفاشر ومعسكر زمزم للنازحين مرات عدة، وراح ضحيتها عدد كبير من المواطنين الأبرياء. ولم تسلم من هذه الهجمات حتى المستشفيات مثلما حدث عندما استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع» المستشفى السعودي التعليمي بالفاشر، ما أدى إلى مقتل أكثر من 70 شخصاً بينهم نساء وأطفال وطاقم طبي، وأثار استنكاراً واسعاً.

الملاحظ أن هجمات مسيّرات «الدعم السريع» تركز على الأهداف المدنية والمنشآت الخدمية أكثر من تركيزها على الأهداف العسكرية، ما يدفع إلى التساؤل عما تأمل هذه القوات في تحقيقه من هذه الاستراتيجية. فاستهداف البنى التحتية والمنشآت المدنية هو عمل لا يمكن تبريره بأي مسوغ عسكري أو غير عسكري، وهو فعل يخالف كل القوانين الدولية وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف لعام 1949 التي تفصل المسموح والمحظور في الحروب، وتشدد على حماية المنشآت المدنية من محطات كهرباء، إلى مستشفيات ومدارس وأسواق، وغيرها من المرافق الخدمية المدنية.

لجوء «قوات الدعم السريع» إلى هذه الاستراتيجية الطائشة يؤكد ضعف موقفها العسكري الميداني بعد الهزائم المتتالية التي تلقتها منذ بدء الجيش والقوات التي تقاتل في صفوفه الهجوم المضاد الكبير في أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي. كما أنه يعكس درجة من اليأس والإحباط تجعلها ترتكب أفعالاً تضعها تحت طائلة مخالفة القوانين الإنسانية الدولية، وتزيد في عزلتها داخلياً مع اتساع الهوة بينها وبين المواطنين الذين عانوا أشد المعاناة من ممارساتها وانتهاكاتها على مدى عامي الحرب. فالمسيّرات وحدها لن تحسم الحرب حتى ولو كانت أهدافها عسكرية، فما بالك إذا كانت الأهداف مدنية الطابع.

«قوات الدعم السريع» من خلال مقامرة التركيز على البنية التحتية ربما تأمل في كسر إرادة المواطنين بإنهاكهم والضغط عليهم بإرباك عودة الحياة الطبيعية، وضرب خدمات أساسية مثل الكهرباء، وهي ضرورة من ضرورات الحياة اليوم. هذا الضغط هدفه إشعار المواطن بأنه غير آمن، وحياته غير مستقرة في مناطق سيطرة الجيش، وذلك على أمل أن يثير ذلك سخطه ويدفعه للضغط على القيادات العسكرية من أجل العودة للتفاوض لإنهاء الحرب.

الأمر الآخر أنها ربما تريد تحقيق كسب إعلامي أمام مقاتليها الذين أحبطتهم الهزائم المتتالية فباتوا ينتقدون قياداتهم علناً في مقاطع فيديو متداولة على نطاق واسع. وفي هذا الإطار أيضاً باتت قيادات «الدعم السريع» تتبنى خطاب قواعدها التحريضي الداعي إلى نقل الحرب إلى الشمال، والعنصري في لهجته التي تستهدف مكونات قبلية بعينها.

هذه التكتيكات سيكون ضررها أكثر من نفعها لـ«الدعم السريع». فهي في كل الأحوال لن توقف زحف الجيش على ما تبقى من مناطق سيطرتها، لكنها بالتأكيد ستزيد من سخط المواطنين عليها، وتعزز رؤيتهم لها كميليشيا منفلتة تستهدفهم بشكل مباشر بعدما دمرت بيوتهم وشردتهم، ومارست النهب على نطاق واسع، واستهدفت مقومات الحياة والبنى التحتية بشكل ممنهج أعاد السودان عقوداً إلى الوراء.

أكثر من ذلك فإن الاستهداف المتكرر لمنشآت البنية التحتية والمرافق الخدمية المدنية، يضع قيادة هذه القوات تحت طائلة المحاسبة الجنائية الدولية، لأنها تقع تحت طائلة جرائم الحرب المنصوص عليها بوضوح في القوانين الإنسانية الدولية. ليس هذا فحسب، بل إن التداعيات القانونية قد تمتد إلى أي أطراف أخرى تعتبر متواطئة في التسبب في هذه الجرائم.

استهداف المدنيين والبنى التحتية لم يكن قط استراتيجية ناجحة، تضمن لأي طرف تفوقاً عسكرياً حاسماً، بل إنها كانت ترتد على الطرف المعتدي وتثير الغضب عليه، والنفور منه، بما يفقده أي شرعية في نظرهم. ومن هذا المنظور تصبح هذه الاستراتيجية انتحاراً سياسياً وأخلاقياً على المستوى الداخلي وأمام العالم، ويمكن أن تشرع الأبواب للملاحقة القانونية في المحاكم الدولية.

الدمار غير المسبوق الذي حل بالبلد سيجعل من الصعب على الناس أن ينسوا معاناتهم، ومن الصعب على مَن تسبب فيه الإفلات من المحاسبة، طال الزمن أم قصر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السودان المسيّرات والحسابات الخاطئة السودان المسيّرات والحسابات الخاطئة



GMT 21:14 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

أميركا وإيران... رقصة «تانغو» على إيقاع صامت

GMT 21:13 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

مشروعان يتنازعان الشرق الأوسط

GMT 21:11 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

ليبيا في الأسر... والمواطنون ملوا المراوحة

GMT 21:11 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

الأمم المتحدة...هرج كثير ومرج قليل

GMT 21:10 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

اليمن مسألة لن تحل نفسها بنفسها

GMT 21:09 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

عندما تعجز المؤسسات الدولية عن منع الحروب!

GMT 21:08 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

... وحضرت غزة من دون تأشيرة دخول!

GMT 21:07 2026 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

إيران والولايات المتحدة... مفاجأة أكتوبر؟

إطلالات المشاهير في اليوم الوطني السعودي تجسد هوية الوطن برؤية معاصرة

الرياض - صوت الإمارات
تجلت هوية الوطن في احتفالات اليوم الوطني السعودي الـ96 عبر تفاصيل أزياء راقية حملت ملامح الماضي التليد وروح الحاضر واكتست بآفاق المستقبل، حيث تحولت إطلالات المشاهير إلى مساحة إبداعية تعبر عن الانتماء بأسلوب معاصر يجمع بين جماليات العمارة النجدية وتفاصيل اللوك الحجازي وتراث المنطقة الوسطى ورمزية النخيل والتطريزات الأصيلة. وتألقت المهندسة المعمارية الداخلية نوف المنيف بفستان مستوحى من جماليات العمارة النجدية وتفاصيلها المميزة بتصميم يجمع بين الملامح التراثية والخطوط المعاصرة من توقيع المصممة خديجة السنيدي مؤسسة علامة IKH. واختارت المصممة هبة بنت حسان بن حسين فرّاش إطلالة حجازية تستحضر أناقة الماضي بروح حديثة وقدمت قراءة عصرية للإرث الحجازي من خلال النقشات والتطريزات المعبّرة عن ذاكرة المكان والانتماء في جلسة تصوير بعدØ...المزيد

GMT 17:02 2020 الثلاثاء ,01 كانون الأول / ديسمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 11:21 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الدلو الأثنين 30 تشرين الثاني / نوفمبر2020

GMT 18:37 2020 السبت ,31 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 31 تشرين أول / أكتوبر 2020

GMT 17:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 20:47 2017 السبت ,02 كانون الأول / ديسمبر

صلاح عاشور يؤكد تأخر انتقاله إلى الزمالك لأربعة مواسم

GMT 08:19 2017 الإثنين ,23 تشرين الأول / أكتوبر

المدرب هيرفي رينارد يباشر إصابة لاعبه أسامة طنان

GMT 19:39 2018 الإثنين ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

4 مقاصد قد تلائم ميزانية سفرك إذا كنتِ من محبي المغامرة

GMT 15:10 2015 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

صدور "الليبرالية نشأتها وتحولاتها وأزمتها في مصر"

GMT 18:41 2017 الأربعاء ,16 آب / أغسطس

استعراض لمواصفات سيارة هيونداي i30 الجديدة

GMT 13:26 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

تطبيق نظام النجوم العالمي لتصنيف الخدمات في شرطة أبوظبي

GMT 23:18 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

النصر يجدد عقد إبراهيم عيسى حتى 2022

GMT 04:42 2018 الإثنين ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الأهلي" يتلقي صدمة من نادي العين الإماراتي
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates