تأمّلات

تأمّلات

تأمّلات

 صوت الإمارات -

تأمّلات

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

حين يتحدّث إلينا الشيخ نعيم قاسم، أمين «حزب الله» العامّ، يبدو كما لو أنّه يستعيد طفولته معنا، وأنّه يخاطبنا من موقعه المُستعاد ذاك. فلنفكّر للحظة في إصبع تمتدّ نحو حائط أبيض ثمّ يأتينا صوت صاحب الإصبع وهو يقول جازماً: أرأيتم هذا الحائط الأزرق؟ يا لها من زرقة قويّة!

بطبيعة الحال سوف يكون من العبث مناقشة مَن يقول بثقة تناهز اليقين إنّ الأبيض أزرق، بهدف تصويب الخطأ وإقناعه بأنّ الأبيض أبيض.

فالمسألة، بالتالي، لا تتّصل بالفارق بين الصحيح والخاطئ ممّا يخضع للنقاش العقلانيّ. وهذا ما يحمل على ردّ قوله إلى أسباب أخرى لا تتعلّق بالمعرفة أو بالاعتقاد.

فلربّما كان «الخطأ» تعبيراً عن نظرة أخرى إلى الأمور يتحكّم بها حسّ الدعابة، بما يحملنا على القول: يا لخفّة ظلّ هذا الشخص الذي يسمّي الأبيض أزرقَ، ملاحظين أنّ دعابته ذات نكهة خاصّة ومميّزة. بل هو قد يكون شخصاً يتظاهر بغرابة قصوى كي يحملنا على الالتفات إليه والاهتمام به، أو ربّما كان رؤيويّاً يرى ما لا نراه إذ يستقي معرفته من غيب محجوب عن النظر، أو ربّما كان فنّاناً ينظر إلى الأشكال والصور فتلتقط عينه ما لا تلتقطه أعيننا. وفي معظم هذه الحالات يتحوّل «الخطأ» الذي نظنّه فادحاً إلى تعبير عن موهبة أو مَلَكة يُحسد صاحبها عليها.

وكان الأدب قد أسعفنا في التعامل مع ظاهرات كهذه. ففي 1943 أصدر الكاتب والطيّار الفرنسيّ أنطوان دو سانت إكزوبيري كتاباً أرفقه بالرسوم وأسماه «الأمير الصغير».

والكتاب المذكور، الذي حظي بشهرة وانتشار استثنائيّين، وتُرجم إلى عديد اللغات وصار من أكثر الكتب مبيعاً في العالم، يروي حكاية رمزيّة هي قصّة طفل يجوب الكون بحثاً عن الحكمة، فيرى ما لا يراه الكبار ممّن يعيشون على كوكبنا، ويرسم الأشياء على عكس ما يتصوّرونها ويرسمونها. ذاك أنّ الكبار، في ظنّه، ضيّقو الأفق وضعيفو المخيّلة، فيما الأطفال يكتسبون الحكمة من خلال انفتاحهم على العالم المحيط بهم ورغبتهم في استكشافه داخل أنفسهم. وفي النهاية يتجلّى موضوع الحكاية الرئيس في السرّ الذي يخبره الثعلب لـ «الأمير الصغير»: «بالقلب فقط يُرى بوضوح، إذ العين لا ترى ما هو جوهريّ».

بيد أنّنا، مع الشيخ نعيم قاسم، لسنا أمام أمير صغير. فالطفل الذي نتحدّث عنه هنا ليس طفلاً، بل هو رجل مجرّب ومسؤول شارف على الستين، يعرف، مثلما نحن نعرف جميعاً، أنّ الأبيض لون والأزرق لون آخر مختلف.

وهو، فوق هذا، لا يقترح اكتشافه علينا بوصفه اجتهاداً واحتمالاً، بل يصرخ فينا ويهيننا ويتّهمنا ويهدّدنا حين يقول واحدنا إنّ الحائط أبيض، معلناً غضبه من أيّة إشارة إلى بياضه. وهو لا يفعل هذا مرّةً أو مرّتين، بل لا يفعل سواه بحيث يغدو موقفه من لون الحائط حالةً مديدة ومستقرّة أو ثابتاً من الثوابت المقيمة فيه.

وبالفعل سبق أن عرفنا، ونعرف حاليّاً، سياسيّين وقادة، كمعمّر القذافي في ليبيا وعيدي أمين في أوغندا وكيم جونغ أون في كوريا الشماليّة، يقولون ما هو عكس المتعارف عليه في أمور لا تحتمل الاختلاف والتأويل. فواحدهم يشير بإصبعه إلى الهزيمة ويسمّيها انتصاراً، أو إلى المجاعة ويسمّيها تخمة. وكان الرئيس العراقيّ صدّام حسين بارعاً حين أطلق «أمّ المعارك» تسميةً على ما كان فعليّاً «أمّ الهزائم». أمّا الذي يناقش هؤلاء في أقوالهم ومدى صحّتها أو دقّتها فيتكشّف عن صاحب عقل صغير، أو دم ثقيل، يضفي على الأمور جدّيّة مفرطة ليست فيها. وبالطبع فهؤلاء المذكورون، مثلهم مثل الشيخ نعيم قاسم، يقولون، كلٌّ بطريقته، إنّ الأبيض أزرقٌ. بيد أنّهم، مع هذا، لا يشبهون في أيّ شيء أمير أنطوان إكزوبيري الصغير.

ولربّما جاز القول، والحال هذه، إنّ ثمّة سياسيّين يستعيرون «جهل» الطفولة الأولى بهدف تطفيلنا نحن الراشدين، وهو ما تعرفه جيّداً المجتمعات التوتاليتاريّة حيث تصدح ملايين الحناجر بخرافة واحدة أو خرافتين تُرفعان إلى سويّة تحصيل الحاصل ولا يُقبَل أيّ تشكيك فيهما.

وقد سبق للأديب الإنكليزيّ جورج أورويل، في روايته الشهيرة «1984»، أن اعتبر القول «2 + 2 = 5» دليلاً على سيطرة الحزب على الواقع وعلى الحقيقة في آن معاً. فمن خلال حمل المواطنين على تقبّل الأكاذيب وتردادها، يؤكّد الحزب التوتاليتاريّ قدرته على إملاء ما هو صائب وما هو خاطئ، وعلى قمع المواطنين في قدرتهم على التفكير والتصوّر.

لكنّ هذا كلّه لا يحلّ مشكلتنا العالقة مع الشيخ نعيم قاسم. فهل ينجح في جرّنا إلى البرهنة على أنّ الحائط أبيض، وأنّ الأبيض غير الأزرق؟

وحتّى لو وضعنا السياسات الشرّيرة جانباً، وعدنا إلى التعامل مع المشكلة بوصفها تعبيراً عن حالة طفليّة، فهل نقول ما يقال عادةً من أنّ الطفل سوف يكبر وينضج ويتغيّر؟ أوليس من الواضح أنّ شيئاً كهذا تجافيه التوقّعات؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تأمّلات تأمّلات



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 23:23 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

طريقة تحضير كيك القهوة بطبقات كريمية غنية

GMT 03:33 2020 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

تعرف علي أفضل طرق تعقيم الكنب

GMT 11:28 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

غادة عادل تبدأ تصوير مشاهدها في فيلم "العفريت"

GMT 00:07 2017 الإثنين ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

هيفاء وهبي أصبحت مادة إعلامية خصبة بعد أزمة "ثانية واحدة"

GMT 04:26 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أفضل عطور الزهور لإطلالة أنثوية

GMT 07:19 2018 السبت ,01 كانون الأول / ديسمبر

"بيتكوين" تسجل أكبر انخفاض شهري لها خلال 7 سنوات

GMT 08:22 2018 الخميس ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

بريدراج مياتوفيتش يُؤكّد أنّ إيسكو تحوَّل إلى لا شيء

GMT 02:26 2018 الثلاثاء ,23 تشرين الأول / أكتوبر

عسكر يستقبل شويطر وشرفي ويؤكد اهتمام الأولمبية البحرينية

GMT 16:36 2018 الثلاثاء ,17 إبريل / نيسان

تجنبي تلك الأخطاء في تصميم ستائرغرف نوم المنازل

GMT 18:45 2017 الإثنين ,09 تشرين الأول / أكتوبر

أدوار مراكز التفكير ومهامها

GMT 18:54 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

أسباب فقدان تركيز طفلك أثناء فترة الدراسة؟

GMT 18:45 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates