مذكرة سوء التفاهم

مذكرة سوء التفاهم

مذكرة سوء التفاهم

 صوت الإمارات -

مذكرة سوء التفاهم

بقلم : غسان شربل

إذا كانت مذكّرةُ التَّفاهم الأميركيةُ - الإيرانيةُ تستحقُّ التسميةَ التي أطلقت عليها، لماذا يجري الذي يجري؟ لماذا تعاودُ أميركا هجماتِها التأديبيةَ على أهدافٍ في إيرانَ رداً على قيامِ الأخيرةِ باستهدافِ السُّفن التي تحاولُ عبورَ مضيق هرمز؟ ولماذا تعاودُ إيرانُ اعتداءاتِها على دولِ مجلس التَّعاون الخليجي، بمَا في ذلك تلك التي قامت بوساطاتٍ وشجَّعتِ التَّوصلَ إلى تسوياتٍ كما هي حالُ قطر وسلطنةِ عمان؟ وإذا كانت طهرانُ تعتبرُ المذكّرةَ انتصاراً لها فلماذا تغامرُ بإمكان سقوطِها تحت وطأةِ الضربات المتبادلة؟

أطلقَ التَّوقيعُ على مذكّرة التفاهم آمالاً متسرعة. كانَ هناك من اعتقد أنَّ المنطقةَ نجت من فخّ الانزلاقِ إلى فصلٍ أشدَّ تدميراً من الذي شهدته. وثمة من تخيَّل أنَّ إيرانَ نجت من مواجهةٍ مفتوحة مع أميركا، وأنَّها ستنصرفُ إلى تأمين شروط الحصولِ على الأموال التي طالَ انتظارُها ويحتاج إليها اقتصادُها المنهك. وهناكَ من بالغَ في التَّوقعات وتساءلَ عن موعدِ توافد الشَّركاتِ الأميركية إلى إيران. لكنَّ تطوراتِ اليومين الأخيرين توحي بأنَّ التفاؤلَ في هذا الموضوع يندرج في بابِ التَّسرع، وأنَّ الخلافَ بين واشنطن وطهرانَ أعمقُ وأخطرُ من أن ينهيَه حبرٌ متسرّعٌ نجح في الوصولِ إلى التوقيع بعدمَا تركَ هامشاً واسعاً للغموض والالتباسات.

في بغدادَ سمعت كلاماً استوقفني. قالَ المتحدّثُ إنَّ ظروفَ الصفقةِ الكبرى ليست متوفرة. وأنَّ النظامَ الإيرانيَّ الحاليَّ يخشى تماماً العودةَ إلى الدولةِ الطبيعية. والمقصودُ بالدولة الطبيعية تلك التي تلتزم قواعدَ القانونِ الدولي في التعامل ليس فقط مع مضيق هرمز بل أيضاً مع جيرانها والعالم بأسره. فالدولةُ الطبيعيةُ لا تخوض حروباً بالواسطة. ولا تنشئ جيوشاً صغيرة داخل أراضي جيرانها.

قالَ المتحدّثُ إنَّ النظامَ الإيرانيَّ نظامٌ وُلد حاملاً مهمةً منصوصاً عليها في دستوره وهي «تصدير الثورة» لتغيير المنطقةِ والعالم الإسلامي. لاحظَ أنَّ انكفاءَ إيران إلى داخل حدودها يجعلُ الثورةَ الإيرانية في وضعِ من ينتظر ظهورَ رجلٍ يصالحُها مع العصر والعالم على غرارِ ما فعل دينغ هسياو بينغ مع الثورةِ الصينية وإرثِ ماو تسي تونغ. أمَّا الخيارُ الآخر فهو انتظارُ ظهورِ ميخائيل غورباتشوف إيران يفتحُ بابَ الانهيار على غرار ما حلَّ بالاتحاد السوفياتي. واعتبر أنَّ المأزقَ هو أنَّ إيرانَ الحالية لا تريد أن تتغيَّرَ ولا تستطيع أن تتغير. لم تنجب دينغ ولن تسمحَ بولادة غورباتشوف إيراني.

لم يغير حبرُ مذكّرةِ التفاهمِ خياراتِ من وقَّعوا عليها. لم يتأخر دونالد ترمب في التَّلويح بغسلِ يديه من المذكّرة رداً على السُّلوك الإيراني في هرمز. في المقابلِ تطالبُ إيرانُ بتطبيقِ البنود لكنْ وفقَ قراءتها التي تحاول تطويعَ الالتباساتِ لوضعها في خدمةِ سياستها. تتصرَّف إيرانُ كأنَّها خرجت من الصّدام مع أميركا وإسرائيل بلقبِ الدَّولة الكبرى في الإقليم. تتذرَّع بالاشتباكِ مع أميركا لقصفِ جيرانها عقاباً لهم على استضافةِ وجودٍ عسكري أميركي أو اتفاقات دفاعية وأمنية مع واشنطن. تجيز إيرانُ لنفسها المرابطةَ داخل أراضي الدول الأخرى ومن دون استئذان سلطاتها وتنكر على الدول المجاورة حق إبرام اتفاقات ساهم السلوك الإيراني السابق والحالي في تأكيد الحاجة إليها. تتصرَّف إيرانُ وكأنَّ ورقةَ الإمساك بخناق الاقتصاد العالمي في هرمز يمكن أن تكونَ العمودَ الفقريَّ لتحولها دولةً كبرى في الإقليم بعدما تعذَّر هذا التحوُّلُ تحت مظلةِ المشروع النووي.

رسالةُ المرشدِ الإيراني مجتبى خامنئي بعد تشييعِ والده واضحةٌ وصارمة. تعهَّدَ على نحو قاطع بالثَّأر لوالده. كتبَ: «هؤلاء المجرمون الذين توجد قائمةٌ كاملةٌ بأسمائهم من أوّلهم إلى آخرهم سيحملونَ معهم إلى قبورهم أمنيَّة أن يموتوا موتاً هانئاً على فُرُشِهم». قالَ أيضاً: «قريباً سيؤدّي أفرادٌ من أحرار العالم، كل منهم، جزءاً من هذه المهمة الإلهية» أي الثأر. وامتناعُ المرشدِ عن الإطلالة حتى في تشييع والده يظهر أنَّ إيران لا تستبعد على الإطلاق فصولاً جديدة من المواجهة العسكرية. لم يكن متوقعاً أن يكونَ كلامُ المرشد بعد تشييعِ والده معتدلاً لكنَّ التَّشديدَ على الثأر وبهذه الصُّورة يوحي بأنَّ مذكّرةَ التَّفاهم مرشحةٌ للاصطدام بألغامٍ كثيرة لا تقتصر على تلك التي قيل إنَّها زرعت في مياه المضيق.

من بغدادَ إلى بيروتَ يشعر الصحافي الزائر أنَّ مذكّرةَ التفاهم لم تطلق آليةً لطي صفحةِ المواجهة. تواصل أميركا سياستَها الراميةَ إلى قطع الخيط الإيراني الذي يتيح لطهرانَ تحريكَ بعض الفصائل العراقية في حروب المنطقة، ويتيح لها إبقاءَ المواجهة بين «حزب الله» وإسرائيل قابلة للتجدد في جنوب لبنان. وفي المقابل تتابع إيرانُ سياستَها القديمةَ الرامية إلى قطع الخيطِ الأميركي الذي تعتقد أنَّه وراءَ رفضِ دول عربية الرُّضوخَ للإملاءاتِ الإيرانية بشأن أمنِ المنطقة والقرار فيها.

هل كانت مذكّرةُ التفاهمِ الأميركية - الإيرانية مجردَ محطة مرحلية لتفادي اتساع النّزاع ودخولِه في نفق التدمير الواسع؟ هل أملتها أسعارُ الطاقة وعلاقةُ ترمب بالكونغرس واقتراب الانتخابات النصفية؟ وهل أملتها من الجانب الإيراني المخاوفُ من تدمير مكلّف للجسورِ ومحطات الطاقة، وهو ما لوّح به ترمب أكثر من مرة؟ أطلَّت مذكّرةُ التفاهم كحلٍّ ومخرجٍ ومحاولةٍ لإنقاذ المنطقةِ من كارثة كبرى لكنْ هل باتتِ اليومَ تحتاج إلى من ينقذها؟

يقولُ المتشائمون إنَّ الدبلوماسيةَ ترشُّ السّكر على الموت. وتلعبُ مع الوقت. وتخترعُ آمالاً غيرَ مبررة. وأنَّ مذكّرةَ التَّفاهم هشَّةٌ وغامضة وأغفلت بنوداً كثيرةً ما يرشحُها لتسمية مذكّرة سوءِ التفاهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مذكرة سوء التفاهم مذكرة سوء التفاهم



GMT 21:52 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

أجل ديغول

GMT 21:51 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

المفهوم الإيراني لـ«القوّة الناعمة»

GMT 21:50 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

«11 سبتمبر»... التصدي للتطرف مسؤولية عالمية

GMT 21:49 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

لبنان... خط التماس بعد سقوط «عليّ الطاهر»؟

GMT 21:48 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

لبنان... حرب إسرائيل وتحديات المسار التفاوضي

GMT 21:46 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

الكفاءة والفاعلية قبل اللافتة السياسية

GMT 21:45 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

الشنطة وكتاب الدين

هند صبري تتألق بأسلوب عفوي وألوان جريئة في خياراتها لأزياء الصيف

تونس - صوت الإمارات
اختارت الفنانة هند صبري أن تترك للألوان والقصات الحيوية مساحة أكبر في خياراتها هذا الصيف، متنقلة بين الفساتين الطويلة والنقشات المبهجة والأزياء الخفيفة التي تناسب أجواء العطلات والرحلات الشاطئية. وتنوعت إطلالاتها بين التصاميم المفعمة بالألوان الحيوية، والأطقم السماوية والبرونزية الدافئة، وصولاً إلى الأجواء المتوسطية في بلدها الأم تونس، حيث قدمت مجموعة من الإطلالات العفوية والأنيقة التي ركزت على إبراز جمالية التفاصيل وطريقة تنسيق الأزياء بأسلوب أنثوي ومريح. ومع بداية شهر سبتمبر، أطلت بفستان طويل من توقيع دار ميسوني تداخلت فيه درجات الأبيض والكريمي والبيج والذهبي الفاتح ضمن نقشة الدار المتعرجة الشهيرة. وجاء التصميم بقصّة طويلة وملاصقة للجسم مع كتف واحد وفتحة عند أعلى الصدر، ليمنح قوامها طولاً وأناقة لافتة. ونسّقت الف...المزيد

GMT 19:22 2026 الثلاثاء ,08 أيلول / سبتمبر

التدخين السلبي تسبب في 1,7 مليون وفاة خلال عام
 صوت الإمارات - التدخين السلبي تسبب في 1,7 مليون وفاة خلال عام

GMT 11:11 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك نجاحات مميزة خلال هذا الشهر

GMT 15:25 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"فيسبوك" يوضح تفاصيل بشأن عمليات الاختراق الأخيرة

GMT 02:06 2015 الثلاثاء ,07 إبريل / نيسان

هطول أمطار متفرقة على مرتفعات جازان وعسير

GMT 06:14 2015 الإثنين ,19 تشرين الأول / أكتوبر

هيدي كرم تختلف مع آراء انتصار في برنامج "نفسنة"

GMT 15:13 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على "أولوموك" مدينة السحر الخفية في التشيك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates