بقلم : مصطفى الفقي
فى ظل الظروف الصعبة واللحظات الحاسمة فى تاريخ المنطقة التى أعنى بها غرب آسيا وشمال إفريقيا يكون طبيعيًا أن نتابع ما يجرى من حوارات داخلية ومشكلات محلية، فلقد تسرب تيار عام يشير إلى جدل كنسى حول مسألتين لهما أهمية كبيرة فى استقرار الكنيسة الوطنية وأعنى بالقضية الأولى ما يتردد فى أروقة البرلمان حول مشروع لاقتراح إنشاء هيئة تُعنى بشئون رحلة العائلة المقدسة دينيًا وسياسيًا وسياحيًا، بينما ينصرف الأمر الثانى إلى تقييم دور الراحل الأب متى المسكين، خصوصًا بشأن خلافه التاريخى مع آباء الكنيسة وصولًا إلى قداسة البابا شنودة الثالث، وسوف أعالج فى حذر شديد الأمرين بأمانة وطنية واحترام صادق للعقائد الدينية، وقد يقول قائل وما شأن هذا الكاتب المسلم بشئون الكنيسة، ومعروف أننى متخصص فى الدراسات التاريخية عن أقباط مصر، وأننى حصلت على الدكتوراة من جامعة لندن عام 1977 فى موضوع الأقباط فى السياسة المصرية واتخذت من مكرم عبيد باشا نموذجًا لتلك الدراسة التى مضت عليها سنون طويلة، ولكنها ظلت حيوية التأثير واسعة الانتشار، أما بالنسبة للقضية الأولى فإننى أرفض صراحة فكرة الحديث عن تنظيم رحلة العائلة المقدسة بقرارات إدارية وحكومية، وأرى أنها رحلة باركتها المسيحية الأولى وتشرفت بها مصر قبل الإسلام، لذلك لا يجوز الحديث الآن عن تفاسير سلبية وتأويلات مغلوطة لتلك الرحلة المقدسة حتى بلغ الشطط بالبعض إلى إنكار حدوثها بالكامل عن غير وعى بأن الأديان تقوم على نفحات الإيمان التى لا تقبل الجدل العقلى ولا تستقيم مع النقاش الدنيوى، لذلك سوف تظل تلك الرحلة المقدسة مسار تقديرواحترام لدى المسيحيين والمسلمين وأهل الكتاب عمومًا إلا من خالف النص بالتواء التفسير وسوء التأويل، أما القضية الثانية فلا زلت أذكر حولها أنه عندما كنت سكرتيرًا للرئيس مبارك للمعلومات - رحمه الله - أن وقعت فى يدى ورقة قديمة من أرشيف الرئاسة فى عهد الرئيس الراحل السادات ولا أعلم حتى الآن مصيرها فلم أعطها الأهمية الكبيرة فى وقتها رغم أنها كانت رسالة من الأب متى المسكين إلى الرئيس السادات فى غمار الزوبعة الطائفية التى ضربت العلاقة بين الرئيس الراحل وقداسة البابا شنودة، والرسالة تحوى خطابًا من الأب متى المسكين إلى الرئيس السادات، وقد لفت نظرى فيها روعة الخط العربى الذى كتبت به واللغة الرصينة التى صاغها صاحبها من بين رجال الدين المسيحى الكبار وأحبار الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، ولما كنت على بينة من خلاف تاريخى بين البابا والأب متى المسكين فلقد أدهشنى بل وأسعدنى ما كتبه الأب متى المسكين، فى رسالة خاصة بخط يده إلى الرئيس السادات فى قمة الأزمة داعيًا إياه بأن يكون رؤوفًا، وأن يترفق بالبابا الذى يمثل الكنيسة أمام أقباط مصر والمهجر، وكانت دهشتى البالغة عندما قرأت تلك الرسالة، ولكنى تركتها فى مكانها، ولم أكن حريصًا على أن أحمل شيئًا منها احترامًا للمكان الذى وجدتها فيه، وخرجت بانطباع أن الحديث عن دور تآمرى للبابا متى المسكين ضد البابا شنودة الثالث هو مبالغة لا مبرر لها، فرجل الدين لا يتحامل بطبيعته على غيره والكنيسة القبطية التى عرفت الرهبنة قبل غيرها يدرك آباؤها الكبار أن الزهد والتسامح من صفات الشعب الذى عبر فوق معاناة (عصر الشهداء)، ويهمنى هنا من هذه السطور الاشادة بالتراث الروحى العظيم الذى مرت به الديانات السماوية على أرض مصر الطيبة، فليكن ذلك دائمًا حلقة مضيئة فى تاريخ الشعب المصرى الذى تعامل مع الديانات السماوية الثلاث باحترام فى كل العصور وكل الأزمنة، وتحية لرحلة العائلة المقدسة على أرض الكنانة التى اختصها الله برعايته وخاطب فيها موسى الكليم عليه السلام بالوادى المقدس طوى.. وتحية لنيافة الأنبا باخوميوس الذى شغل منصب قائم مقام البابا بعد رحيل البابا شنودة وأشرف على تنصيب البابا تواضروس الثانى، وقد ذكر لى ونحن نجلس معًا فى مبنى المزرعة الملحق بالكنيسة فى مدينة دمنهور - وكنا صديقين لسنوات طويلة - أن تلك المدينة التى انتمى إليها قد عرفت من أبنائها القس زكريا بطرس والجدل حوله وعمل فيها البابا الزاهد كيرلس السادس، وعاش فيها البابا رفيع الثقافة شنودة الثالث سنوات برفقة شقيقه الذى كان يعمل بها كما امتلك الأب متى المسكين (صيدلية مصر ) فى ميدان الساعة بتلك المدينة.
أيها السادة إن قوافل الزمان تمضى والعصور تتعاقب، ولكن يبقى التراث علامة مضيئة لأصحابه، وإشارة لرفاق رحلة التعايش المشترك بين الشعوب والأمم، فالمصريون يحتفلون بالأعياد المسيحية مثلما يعتزون بالمناسبات الإسلامية ومصر تكوين متوحد احترم دائمًا الأديان وارتبط بالأوطان ولسان حاله يقول دائمًا (إن الدين لله والوطن للجميع).