ثلاثية البحر روح الموسيقى في الأزرق الكبير
آخر تحديث 22:30:31 بتوقيت أبوظبي
 صوت الإمارات -

"ثلاثية البحر" روح الموسيقى في الأزرق الكبير

 صوت الإمارات -

 صوت الإمارات - "ثلاثية البحر" روح الموسيقى في الأزرق الكبير

باريس ـ وكالات

بين عامي 1903 و1905 وإذ بات في قمة نضجه وقد بدأ يعثر على ضروب إلهامه في النزعة الانطباعية، بعدما كان نوع من الرومانطيقية هيمن عليه حتى كتابته أوبرا «بلياس وميليزاند»، حاول كلود ديبوسي ان يكتب عملاً سيمفونياً يربط فيه بين نزعة هيامه بالطبيعة والعقلانية الجديدة - المرتبطة بوصول القرن العشرين - والتي كانت بدأت تشغل فكره حقاً... لكنه ابداً لم يتمكن من إنجاز ذلك العمل: بدأه ثلاث مرات على الأقل خلال تلك الاعوام، لكنه كان في كل مرة يتوقف ويغير اتجاهه بعدما يخطّ الصفحات الأولى للعمل المنشود. وهكذا، عند نهاية تلك الحقبة، بدلاً من ان يجد نفسه وقد أنجز سيمفونية كبيرة كانت هي تلك التي يحلم بها، وجد نفسه أمام ثلاثة أعمال تمهيدية يحمل كل منها - على طريقته - طابعاً سيمفونياً أوّلياً، لكن اياً منها لا يعطي المؤلف إمكان ان يواصله ليطلع منه بذلك العمل المتكامل. وهكذا، إذ راح ديبوسي يتأمل تلك الأعمال الثلاثة، وجد في نهاية الأمر ان في إمكانه ان يقدمها معاً، على شكل ثلاثية... وقدمها، بالفعل، على ذلك النحو، للمرة الأولى في باريس، عام 1905، أي في العام نفسه الذي أنجز فيه القسم الثالث. وهو أعطى الثلاثية عنواناً شاملاً هو «البحر» الذي باتت تحمله منذ ذلك الحين وتُقدّم به. أما الحقيقة فهي ان لكل واحد من أقسام الثلاثية عنوانه وأجواءه الخاصة: القسم الاول يحمل عنوان «من الفجر حتى الظهيرة فوق سطح البحر»، فيما يحمل الثاني عنوان: «لعبة الامواج» والثالث «حوار الريح والبحر». ولا بد من الاشارة هنا الى انه يحدث كثيراً، أن يقدم كل عمل من هذه الاعمال الثلاثة بمفرده، ولكن دائماً مع الاشارة الى انه يشكل جزءاً من الثلاثية، ما صاغ مع مرور الزمن الوحدة المطلقة، بين اجزاء هذه الثلاثية، وجعل ديبوسي يعتبر واحداً من كبار الموسيقيين الذين كتبوا للبحر وعبّروا عنه. > ومع هذا لا بد من ان نشير هنا الى ان هذا الفنان ذا الخيال المبدع، لم يكتب اي جملة موسيقية من جمل «البحر» وهو عند شاطئ بحر: كتب معظمها في باريس نفسها، كما كتب بعض الألحان في قرى ومناطق جبلية وريفية لا علاقة لها بالبحر على الاطلاق. وقال ديبوسي تعليقاً على هذا انه إذ بَعُد عن البحر جسدياً، تمكن اكثر من الارتباط به، روحياً وفي خياله ما مكنه من التعبير عنه في شكل أفضل. ونحن، اذ نستمع الى كل لحن من ألحان هذا العمل الانطباعي الكبير يمكننا ان نرى ان ديبوسي كان محقاً قي ما قاله: لقد جاء التعبير عن البحر أعمق وأكثر شفافية، بحيث يدرك المرء ان الموسيقي حين راح يكتب هذا العمل لم يكن يتأمل بحراً مُحَدَّداً يحدّ خياله به، بل استعاد في ذهنه كل بحر وكل البحار، وتجريدية المياه الممتدة الى ما لا نهاية. > إن أول ما يلفت النظر في كل اجزاء هذا العمل، هو تلك العلاقة التي ينم عن قيامها بين المؤلف والطبيعة: فهي علاقة صاخبة مطلقة وذاتية، تشبه الى حد بعيد علاقة اول الرسامين الانطباعيين (رينوار ومونيه) كما علاقة آخر رسامي ما بعد الانطباعية (فان غوغ وسيزان) بالطبيعة، علاقة قائمة على اعادة اختراع ألوان الطبيعة والتوغل في تفاصيل روحها وكأن الفنان أراد ان يقول انه، والطبيعة، صارا شيئاً واحداً. والأجمل من هذا ان الانطباعات التي تتركها الترجمة الموسيقية لهذه العلاقة، لا تشبه الانطباعات التي تتركها الاعمال الرومانطيقية «الطبيعية». فهنا لا ينجرف المستمع في لحظات حزن او فرح، أو لحظات حنان مألوفة (مثل تلك التي قد تنتجها اعمال سابقة لديبوسي وعلى رأسها «ليْليّتاه» NOCTURNES. إن ما يجد الفنان نفسه في خضمه الآن - بحسب كبار دارسيه ومحللي أعماله - هو عالم أوسع بكثير: عالم الروح وقد امتزجت بالطبيعة، فعانقتها واندمجت بها، بعيداً من مؤثرات العواطف الميلودرامية. ولأن الروح هي القطب الفاعل هنا، يكاد المستمع يحسّ معاناة تلك الروح وهي تندمج في الطبيعة، ويكاد يحسّ في الألحان تعبير تلك الروح - كما كل روح وثابة لكل فنان حقيقي - عن عدم رضاها الدائم. فالروح، عبر الموسيقى هنا، تسعى في كل لحظة الى الوصول الى كمال واكتمال لا يمكنها - تعريفاً - ان تصل اليهما ابداً... لذلك تظل هائمة وراءهما راكضة الى الأمام، خالقة عبر هذا الهيام لحظاتها الموسيقية التي سرعان ما يشعر المستمع انه مندمج فيها، ساعٍ وراء سموها، غير مدرك لما يبحث عنه أصلاً، في حركة صعود دائمة. > بالنسبة الى كلود ديبوسي، يقوم الأمر هنا، اذاً، في ذلك المسعى وفي ذلك المسار نفسيهما، مع العلم المسبق أن ليس ثمة إمكان للوصول الى أي نهاية مرسومة سلفاً... ومن هنا ذلك الشعور الذي يخالج المرء في ان المهم هو البنيان المرسوم والذي هو بنيان يكاد يكون لولبياً... ما يعني ان الموضوع المحدد - ذا البداية والوسط والنهاية - غائب هنا تماماً، كغيابه بالنسبة الى الطبيعة وغيابه بالنسبة الى تطلعات الروح. اما ما هو حاضر فإنه المشاعر المتأرجحة وصورة الطبيعة في امتداد بحري لا نهائي. والحال ان يقينية هذا الامتداد، بالنسبة الى المؤلف، هي التي تعطيه حرية الكتابة الموسيقية التي توصل العمل بالنتيجة الى نوع من التحرر المطلق من القيود الهارمونية، خالقة عفوية تضفي على بنيان العمل شبه اللولبي، حرية ابداع استثنائية، بخاصة ان ديبوسي هنا، اذ يجد ان في امكانه التمتع بهذه الحرية الى أقصى الحدود، يغوص - في كل جزء من اجزاء «الثلاثية» - في تعددية المواضيع، وفي نسيج بوليفوني يبدو هنا جديداً تماماً عليه، بل على الموسيقى الفرنسية عموماً، ولسوف يبرز واضحاً خلال العقد التالي من السنين في اعمال العديد من موسيقيي فيينا، لكن هذه حكاية اخرى. > المهم هنا ان كلود ديبوسي، في هذا العمل الساحر والأخّاذ، عرف كيف يحرر موسيقاه تماماً من كل ضغط، او إرث مكبّل، حتى من دون ان يطالب عمله نفسه بأن يكون ارثاً لأي موسيقي يأتي من بعده، ويحاول ان يسعى مسعاه... فديبوسي كان في تلك المرحلة من حياته ومن مسار ابداعه، بدأ يؤمن بأن كل عمل فني حقيقي يجب ان يكون فريداً، لا يشبه ما قبله، ولا يؤسس حتى لما بعده، وإلا تحوّل الى عمل حرفي... ومن هنا كان ذلك الاصرار لديه، في هذا العمل القصير زمنياً، مع انه استغرقه ثلاث سنوات حتى ينجز، على تحويل الطابع الانطباعي للعمل، والذي كان يخدم من قبل ذلك في عملية خلق أجواء غير محددة تغلف اللحن وتزينه، بل حتى تعطيه طابعه المطلق في الزمان، تحويله الى موضوع اساسي والى حامل يوفر للعمل الموسيقي ليونة تامة وحركة ديناميكية متواصلة لألحان تتقاطع مع بعضها البعض وتتالى، في شكل يخلق للمستمع عالماً يغرق فيه تماماً، حتى من دون ان يبارح عقلانيته ولو للحظة... > كلود ديبوسي (1862-1918) حينما كتب «ثلاثية البحر» كان على اي حال، شغوفاً بأعمال كل من فان غوغ وسيزان، في مجال الفن التشكيلي، وكانت تسحره تلك العلاقة العقلانية التي قامت بين مشاهدي لوحات هذين الفنانين والاعمال التي يشاهدونها. وكان من الواضح انه انما شاء ان يوجد في الموسيقى معادلاً لتلك الاعمال، إنما من دون ان يقطع مع نزعة انطباعية لحساب نزعة ما بعد الانطباعية، ومن هنا أتى ذلك العمل الغريب، الذي قال البعض انه يمزج بين برليوز وآلبن برغ، فيما قال آخرون انه عرف كيف يجمع بين رينوار وسيزان، والمعنى واحد في الحالين. اما «ثلاثية البحر» فإنها، على اي حال، تشكل فقط جزءاً من انتاج ديبوسي الضخم، والذي يضم أعمالاً لا تزال تعتبر في قمة الحداثة، على رغم مرور اكثر من قرن على ابداعها، مثل «علبة الألعاب» و «خمس قصائد من بودلير» و «بالأبيض والأسود» و «الابن الضال» و «ليليات» و «مقدمة لبعد ظهر حيواني» و «3 قصائد لستيفان مالارمي» وغيرها...

emiratesvoice
emiratesvoice

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثلاثية البحر روح الموسيقى في الأزرق الكبير ثلاثية البحر روح الموسيقى في الأزرق الكبير



GMT 15:58 2020 السبت ,15 شباط / فبراير

"كارما النية" أحدث مؤلفات نايف الجهني

GMT 04:39 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

"أم النار" احتفاء بالموروث الحضاري لدولة الإمارات

GMT 04:25 2020 الثلاثاء ,11 شباط / فبراير

حكمت البعيني "ألف فكرة وفكرة" في تأمّل الحياة

GMT 02:06 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

دار ليدز تصدر رواية "بيت ستي صالحة"

GMT 03:08 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

"في قبضة داعش" رواية جديدة في معرض الكتاب

GMT 17:50 2020 الجمعة ,24 كانون الثاني / يناير

"أحببت هذا الرجل" جديد رانيا كمال في معرض الكتاب

GMT 20:01 2020 الأحد ,19 كانون الثاني / يناير

نادي كُتاب العين يستضيف الشاعرة حنان المرزوقي

عرضت المخرجة الإبداعية دوناتيلا فيرساتشي أول مرة مجموعتها

كيندال جينر وبيلا حديد تتألقان بإطلالة مميزة في أسبوع الموضة في ميلان

ميلان - صوت الامارات
عرضت المخرجة الإبداعية دوناتيلا فيرساتشي أول مرة مجموعتها لموسم خريف وشتاء 2020 خلال أسبوع الموضة في ميلان، وهي المرة الأولى التي تظهر فيها خطها بالكامل، والذي شمل 91 قطعة، حيث قادت Donatella التشكيلة مع مجموعة LBDs الكلاسيكية وهى مجموعة من الفساتين القصيرة اللامعة، التي تشبه في تصميمها الساعة الرملية وارتدتها كيندال جينر وبيلا حديد خلال هذا العرض. ووفقًا لموقه "harpersbazaar" فقد تم تزويد جميع الفساتين بحلى كبيرة الحجم وقفازات جلدية وحقائب clutches إما مزينة بشعار Versace أو بقطع ذهبية مميزة. أصبح العرض مزيجاً عائدًا إلى المدرسة القديمة الخاصة بالدار، من خلال الفساتين القصيرة التي أبهرت الجميع، فضلًا عن سير العارضات على المدرج وسط شاشات 3D. كانت المجموعة تمزج بين الأزياء الكلاسيكية من خلال البدل الرسمية والفساتين السوداء وتشكيلة الملاب...المزيد

GMT 06:02 2020 الأربعاء ,19 شباط / فبراير

برشلونة يتوصل للتعاقد مع بديل عثمان ديمبلي

GMT 05:33 2020 الأربعاء ,19 شباط / فبراير

ميلان يعبر تورينو بهدف ريبيتش في الدوري الإيطالي

GMT 22:15 2020 الخميس ,13 شباط / فبراير

قمة نارية بين ميلان ويوفنتوس في «سان سيرو»

GMT 04:35 2020 الأربعاء ,19 شباط / فبراير

سلتا فيغو يخدم برشلونة بتعادله مع ريال مدريد

GMT 23:04 2020 الخميس ,13 شباط / فبراير

تأهل سان جيرمان وليون لقبل نهائي كأس فرنسا

GMT 23:00 2020 الخميس ,13 شباط / فبراير

بلباو يعبر غرناطة بهدف ويداعب نهائي كأس الملك
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2019 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
emirates , emirates , Emirates