أبعد من تسريب صوتي لعبد الناصر

أبعد من تسريب صوتي لعبد الناصر

أبعد من تسريب صوتي لعبد الناصر

 صوت الإمارات -

أبعد من تسريب صوتي لعبد الناصر

بقلم :حازم صاغية

جاء الكشف عن تسجيل صوتيّ بين جمال عبد الناصر ومعمّر القذّافي ليصيب كثيرين بالمفاجأة والغضب وربّما بتصدّع اليقين. فأوّلهما، في سنة وفاته، لم يكتم انزعاجه من الدعوات الراديكاليّة للحرب، فهاجم المزايدين، وأبدى استخفافه بهم وبمطالبهم القصوى، مؤكّداً عزوفه عن القتال وتفضيله الحلّ السلميّ للصراع.

لكنّ المفاجأة بكلامه ليست في محلّها إلاّ لمن صدّق الصورة التي صُنعت له. فهو لطالما رُسم خليطاً حيّاً من مقدّس ومجنون: ينافح، غير هيّاب، دفاعاً عن «مصالح الأمّة العربيّة في التحرّر والتقدّم»، فلا يعبأ بتوازن قوى، أو بأكلاف حرب، ماضياً في القتال من دون اكتراث بعِبَر الهزيمة المُذلّة في 1967.

لكنّ عبد الناصر الفعليّ لا هذا ولا ذاك. صحيح أنّه رعى لاءات قمّة الخرطوم الشهيرة، وتفوّه بعبارات من صنف أنّ «ما أُخذ بالقوّة لا يُستردّ بغير القوّة». غير أنّه، حين لم يكن يخاطب «الجماهير»، وافق على قرار الأمم المتّحدة 242، ومن بعده «مشروع روجرز». والقرار والمشروع يفتحان الباب لسلام تُعاد معه الأراضي المحتلّة ويُقَرّ بحقّ الوجود لدول المنطقة بغير استثناء.

ونعرف أنّ الصيت النضاليّ الذي التصق بعبد الناصر لم يَحْمِه من الشتم والتخوين اللذين ضجّت بهما تظاهرات التنظيمات المسلّحة الفلسطينيّة في عمّان ردّاً على «مواقفه الخيانيّة المتخاذلة» تلك.

أمّا آخر ما فعله في حياته فكان القمّة العربيّة الطارئة لإنهاء حرب الأردن الأهليّة، والتي كان نشوبها كافياً لإحباط سياسيٍّ مجرّبٍ كعبد الناصر باحتمالات القتال المفتوح مع إسرائيل وبآفاقه.

وقد يسعفنا الانتباه إلى المصدر المصريّ لهذا السلوك في تحرير الرواية النضاليّة الساذجة حول الموضوع الفلسطينيّ من أكاذيبها. فهو يوضح كيف أنّ المواقف من ذاك الموضوع كثيراً ما اتّصلت بالتراكيب المجتمعيّة والسلطويّة في العالم العربيّ، كما بمسألة الشرعيّة استطراداً.

بلغة أخرى، فإنّ مصر التي حكمها عبد الناصر هي الأكثر انسجاماً أهليّاً بقياس جوارها في المشرق الآسيويّ، وفيها كان للدولة تقليد أعرق من مثيلاته في باقي المنطقة. وهذا ما ينمّ عن علاقة سببيّةٍ بين التماسك الوطنيّ والمجتمعيّ وبين اللجوء إلى الواقعيّة والدبلوماسيّة حين تضيق الفرص والاحتمالات.

ثمّ إذا كان الافتقار إلى الشرعيّة ما يفسّر الجموح البعثيّ السوريّ والعراقيّ في الموضوع الفلسطينيّ الذي أريدَ منه أن يكون شرعيّة بديلة، فأمر الناصريّة المصريّة مختلف. فهي، رغم تأسيسها الدولة الأمنيّة في العالم العربيّ، امتلكت إنجازات فعليّة، أو ما صُوّر بقدر من النجاح على أنّه كذلك. فمن تأميم القناة و«دحر العدوان الثلاثيّ» في 1956 إلى إقامة الوحدة مع سوريّا في 1958، فضلاً عن لعب دور على المسرح الدوليّ بدءاً بمؤتمر باندونغ في 1955، لم يكن عبد الناصر يحتاج القضيّة الفلسطينيّة في دعم شرعيّته بالقدر الذي احتاجته الأنظمة الأخرى المشابهة لنظامه.

وثمّة فارق لا تخطئه العين بين حاجتي الطرفين إلى الاستحواذ على القضيّة الفلسطينيّة و«تمثيلها». فالعمل الفدائيّ الفلسطينيّ الذي باشرته «فتح» كان، في أحد أبرز وجوهه، انشقاقاً عن الناصريّة كـ«طريق قوميّ» إلى «تحرير فلسطين». لكنّ الأخيرة لم تردّ على الانشقاق بشنّ حرب أهليّة على الفلسطينيّين، وباغتيال قادتهم، أو ببناء تنظيمات موازية ووازنة تنافس «فتح». وهذا بالضبط ما فعلته دمشق وبغداد البعثيّتان عبر «الصاعقة» و«جبهة التحرير العربيّة» وقائمة الاغتيالات الطويلة. ولئن انتقلت الناصريّة في «الردّ على الهزيمة» من شعار «تحرير فلسطين» إلى «إزالة آثار العدوان»، طغت على الأدبيّات الرسميّة السوريّة (والعراقيّة) الدعوة إلى «حرب التحرير الشعبيّة» التي برع فيها خصوصاً وزير الدفاع الأسديّ مصطفى طلاس. ثمّ بعد 1973، بات استرداد الأراضي الوطنيّة مرفقاً بإنهاء الحروب، هو ما يتحكّم بسلوك أنور السادات، خليفة عبد الناصر، فيما اتّجه حافظ الأسد إلى استثارة حروب أهليّة، لبنانيّة وفلسطينيّة، توفّر لنظامه «ساحاته» في الحرب المعلّقة مع إسرائيل.

وربّما جاز الحديث عن خلفيّة بعيدة استند إليها شذوذ الموقف الناصريّ عن مواقف الراديكاليّين السوريّين والعراقيّين، فضلاً عن الفلسطينيّين. ففي المشرق الآسيويّ اصطبغت «القوميّة العربيّة»، بين الأربعينات والسبعينات، بكثير من الصراخ المسعور الذي وجد تتويجه في حزب البعث. أمّا في مصر التي لم تكن «القوميّة العربيّة» تقليديّاً جزءاً معتبراً من ثقافتها السياسيّة، فانتمى التبنّي الناصريّ لها إلى تصوّر تنمويّ وجيوسياسيّ لا يستطيع إلاّ أن يحسب حساب الأرباح والخسائر. وأغلب الظنّ أنّ عاملاً كهذا لعب دوره في «الدبلوماسيّة السرّيّة» المبكرة بحثاً عن سلام مصريّ – إسرائيليّ، وهو ما لم تعرف مثله سوريّا. فمنذ النائب البريطانيّ ريتشارد غروسمان، الذي التقى عبد الناصر بطلب من بن غوريون، إلى «خطّة ألفا» فـ«مشروع غامّا»، وصولاً إلى محاولة ناحوم غولدمان والرئيس اليوغسلافيّ تيتو في 1958، لم تنقطع المحاولات...

وهذه ليست أسباباً لإسباغ المدائح على عبد الناصر، لكنّها أسباب لتبيّن فقراً في المعرفة وخفّةً في المشاعر كان الزعيم المصريّ من مؤسّسيهما الكبار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبعد من تسريب صوتي لعبد الناصر أبعد من تسريب صوتي لعبد الناصر



GMT 19:21 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

النصف كاملاً

GMT 19:20 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

قناة «Ten» وأغنية «آه يا قلبي»

GMT 19:19 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

السعودية حريصة على دماء الأشقاء اليمنيين

GMT 19:18 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

رؤية للحاضر مِن الزمن الغابر

GMT 19:17 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إسرائيل والاستبعاد على أساس الهوية

GMT 19:16 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تحديات العنجهية الإيرانية لبنانياً

GMT 19:15 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

«زوزو» في الأصل بهيرة

GMT 19:13 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تقرير الانتخابات الأمريكية

نجوى كرم تعيد صيحة الجلد إلى الواجهة بإطلالات عصرية

بيروت - صوت الإمارات
تواصل الفنانة اللبنانية نجوى كرم إبراز صيحة الجلد كواحدة من الخامات الأساسية في خزانتها، حيث تعود إليها بأساليب متجددة تتنقل خلالها بين القصّات اللافتة والألوان الجريئة. وفي أحدث ظهور لها من العاصمة الفرنسية باريس، شاركت كرم متابعيها صورة أمام برج إيفل عشية حفلها المرتقب على مسرح قصر المؤتمرات، حيث اعتمدت جمبسوت من الجلد الأسود بقصة محددة عند القوام مع حزام يبرز الخصر، وبرزت فيه تفاصيل الخياطة باللون الأبيض التي حددت أطراف الجيوب والسروال بأسلوب عصري، إلى جانب جاكيت جلدية قصيرة بأسلوب الترنش مع ياقة عريضة وتفاصيل كلاسيكية عند الكتفين، واكتمل اللوك بنظارات شمسية سوداء مستطيلة وحقيبة يد جلدية سوداء مزينة بتفاصيل معدنية بارزة، مع تسريحة شعر منسدل بتدرجات بنيّة ومكياج ناعم يرتكز على الشفاه البارزة بدرجات النود. وتستعيد خÙ...المزيد

GMT 22:51 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل 10 أطعمة تمنح مريض السكري إفطارًا صحيًا
 صوت الإمارات - أفضل 10 أطعمة تمنح مريض السكري إفطارًا صحيًا

GMT 22:33 2026 الإثنين ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضية الجديدة
 صوت الإمارات - نيسان تكشف عن سيارة NX7 الرياضية الجديدة

GMT 16:54 2026 الثلاثاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

الإمارات تستعد لإطلاق مهمة استكشاف حزام الكويكبات في 2028
 صوت الإمارات - الإمارات تستعد لإطلاق مهمة استكشاف حزام الكويكبات في 2028

GMT 00:23 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 21:56 2017 الإثنين ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

الجروح الخفية

GMT 03:44 2018 الإثنين ,31 كانون الأول / ديسمبر

الوحدة يجهز المنتخب الصيني لمواجهة قيرغيزستان

GMT 14:28 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تُؤكِّد على أنّ مسلسل رمضان المقبل "مفاجأة"

GMT 00:13 2022 الأحد ,26 حزيران / يونيو

أفكار متنوعة لارتداء اللون الوردي في الصيف

GMT 19:19 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

حلول مبتكرة لمشكلة خروج القميص من السروال في العمل

GMT 21:18 2017 السبت ,16 كانون الأول / ديسمبر

ريال مدريد يواجه جريميو البرازيلي على ملعب مدينة زايد

GMT 14:56 2017 الجمعة ,27 كانون الثاني / يناير

تشيلسي هيلي تتألق في فستان مثير باللون الذهبي

GMT 15:54 2017 الأربعاء ,04 تشرين الأول / أكتوبر

خطوات لتغيير ديكور غرفة نومك بشكل كامل بميزانية بسيطة

GMT 10:09 2021 الأحد ,03 كانون الثاني / يناير

موديلات أظافر للمناسبات باللونين الأحمر والذهبي

GMT 23:40 2020 الثلاثاء ,20 تشرين الأول / أكتوبر

الإمارات تطلب من إسرائيل فتح سفارتين في البلدين في أقرب وقت

GMT 04:11 2019 الخميس ,18 تموز / يوليو

طريقة تحضير كيك التفاح المبشور بأسلوب سهل

GMT 09:48 2019 الثلاثاء ,16 إبريل / نيسان

جيمس هاردن يقود روكتس لتجاوز يوتا جاز

GMT 09:56 2019 الأربعاء ,01 أيار / مايو

تعرفي على كيفية تنظيف "الرموش الصناعية" بسهولة

GMT 17:01 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

اليونان تُخفف من حدة التقشف في أول مشروع موازنة منذ 10 سنوات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates