بقلم: مصطفي الفقي
بعد عامين من الاختبار والمتابعة اتصل بى اللواء جمال عبد العزيز، السكرتير الخاص للرئيس مبارك، يحدد لى موعدًا ذات صباح لكى يبلغنى الرئيس بنفسه أنه قرر تعيينى سكرتيراً للرئيس للمعلومات، مضيفًا إلى اللقب الوظيفى كلمة المتابعة حتى يتيسر لى تلقى أى تكليف من رئيس الجمهورية لمتابعة شأن ما أو موضوع معلق أو مشكلة طارئة والعرض عليه مباشرة، وأشهد الله أن الدكتور الباز قد سعد لهذا الاختيار وباركه لأن الرئيس وجد من يتحمل قدرًا من المهام الثقيلة التى تحملها الدكتور الباز وحده كأبرز معاونى الرئيس الراحل، فقد كان هو مدير مكتب رئيس الجمهورية للشؤون السياسية ومستشاره الأول لعلاقاته الخارجية، وحين تدهورت صحته فى مطلع هذا القرن عانى من عدم الاهتمام وغروب الشمس عنه رغم كل ما قدمه للوطن ومؤسسة الرئاسة، ورحل الرجل عن عالمنا منسحبًا فى صمت وهدوء، وقصتى معه طويلة طويلة، أذكر فضله وأحتفظ فى قلبى وعقلى بمكانته، وأستذكر الآن لحظات تعيينى فى موقعى بالرئاسة، حيث اتصل بى اللواء عبد الوهاب زكى، السكرتير الخاص الأثير لدى الرئيس الراحل، وطلب اسما من كتب الخطابات الأخيرة للرئيس أثناء المرض المفاجئ للدكتور الباز وقالت لهم سكرتيرة المكتب: إنه المستشار الدكتور مصطفى الفقى أقدم الدبلوماسيين فى مكتب الدكتور الباز، وكنت أتحدث مع الصديقين المستشار أحمد أبوالغيط، وزير الخارجية وأمين عام جامعة الدول العربية، بعد سنوات والمستشار محمد جوالى، الذى كان يجسد نموذجًا رائعًا لكفاءة الدبلوماسى المصرى، لكنه رحل مبكرًا عن عالمنا نتيجة حادث سيارة أنهى حياته الحافلة بالتميز والتفوق.
وعندما كنت أتحدث إليهما فى بهو صالون رقم ٥ بمبنى وزارة الخارجية بالتحرير دق جرس التليفون وسأل المتحدث عن المستشار مصطفى الفقى وقد تسلمت سماعة الهاتف مفترضًا أن المتحدث أحد موظفى الرئاسة وتحدثت إليه باحترام، لكنه فاجأنى بقوله الرئيس مبارك معك على الهاتف، واستهل الرئيس حديثه بسؤالى: هل أنت من المنوفية يا مصطفى؟ فقلت: لا لكننى من محافظة البحيرة، لأن فرع الفقى بالمنوفية هو الفرع الأشهر لأسباب تتصل بالنفوذ والثروة، ثم أردف الرئيس قائلًا: يبدو أنك الذى كنت تكتب بعض ما كان يأتينى من مكتب الدكتور أسامة، فأجبته بأنه المعلم والذى يكتب بيديه مباشرة فى كثير من الأحيان.
ثم أنهى المكالمة بقوله إنه يريد منى الحضور لمقابلته فى الثامنة من صباح اليوم التالى، بينما كان الزميلان أبوالغيط والجوالى يبتسمان فى سخرية لأنهما يظنان أننى أتحدث إلى سكرتير الرئيس وليس إلى الرئيس نفسه، وأننى أعطيه الاحترام أكثر مما يجب، ظنًا منهما أنه ليس الرئيس نفسه لكنه سكرتيره، وابتلعت السخرية ولم أعلق لأنه من المفترض ألا أبوح بهذا الاتصال المبدئى، وبالفعل كلفنى الرئيس بكتابة كلمة على العشاء ترحيبًا بهلمونت كول، المستشار الألمانى الجديد حينذاك، وإعداد نقاط للحديث فى مباحثات مبارك – تشاوشيسكو، زعيم رومانيا حينذاك، وظللت أعمل مع الرئيس عدة أسابيع إلى أن تعافى د. أسامة الباز، وعاد على رأس العمل.
وبقيت عامين كاملين على قوة مكتب الدكتور أسامة على دكة الاحتياطى عند اللزوم كما يقولون، وذات صباح استدعانى مكتب الرئيس فى حديقة منزله للقائه فى الثامنة صباحًا مع بداية اليوم، وقد قابلته وكان مبتسمًا وهادئًا وقال لى إنه قرر تعيينى سكرتيرًا لرئيس الجمهورية للمعلومات والمتابعة حتى يكلفنى بما يراه فى أى وقت وفى أى موضوع على حد تعبيره، وكانت تلك هى بداية سنوات خدمتى فى مؤسسة رئاسة الجمهورية المصرية فيما يقرب من سنوات ثمانٍ، انتهت فى أواخر عام ١٩٩٢ بعد الزلزال الشهير مباشرة.