بقلم: سليمان جودة
رحل فؤاد باشا سراج الدين فى مثل هذه الأيام من عام ٢٠٠٠، بعد أن عاش يحمل لقب باشا رغم قرار إلغاء الألقاب. فلم يكن من الممكن أن يقال عنه إنه الأستاذ فؤاد سراج الدين، ولا إنه فؤاد بك سراج الدين.. إنه فؤاد باشا ولا شىء آخر.
وعندما غادر الدنيا فى تلك السنة، كان على مرمى حجر من المائة سنة فى عُمره المديد، فكأنه الحبيب بورقيبة فى تونس الذى لما رحل فى أبريل من السنة نفسها كان قد أتم القرن إلا قليلًا!.. كلاهما جاء إلى الدنيا فى بدايات القرن العشرين، وكلاهما عاش على أمل أن يصل إلى آخر المائة سنة، وكلاهما غادر وهو يرى آخرها بعينيه المجردتين!
عاش الرجل حياته العملية وزيرًا على رأس أكثر من وزارة، وكان نجاحه فيها كلها إشارة إلى أن وزير الزراعة مثلًا ليس من الضرورى أن يكون مهندسًا زراعيًا. فالهدف من وجوده فيها أن يديرها بالطريقة التى تقول بها أصول الإدارة، لا أن يذهب ليزرع ويقلع فى الأرض بنفسه مع الفلاحين.
كان فؤاد باشا وزيرًا للزراعة ولم يكن مهندسًا زراعيًا، وكان وزيرًا للمواصلات ولم يكن مهندسًا فى أعمالها، وكان وزيرًا للشؤون الاجتماعية ولم يكن من أهل الدراسة فى شؤونها، وكان وزيرًا للداخلية ولم يكن من ضباط الشرطة.. وكان الدرس أن الوزير على رأس وزارته هو عقل سياسى لا أقل، وهو رأس يعرف كيف يدير لا أكثر.. أما المسائل المتخصصة أو الفنية فى كل وزارة من الوزارات التى تولاها الرجل فى زمانه، أو بالطبع فى سواها، فإن لها متخصصيها، وفنييها، ورجالها الذين يفهمون فيها.
وربما لا يعرف كثيرون أنه تخرج فى كلية الحقوق، وأنه تخرج فيها يوم كانت مشهورة بين المصريين بأنها كلية الوزراء.
كان القصد أن النابهين من الطلاب يقصدونها، وأنهم يكونون على موعد بعدها مع العمل العام، وأنها تعطيهم من العلم ما يجعلهم يفكرون بطريقة منطقية منظمة، وينظرون إلى الأمور من الزاوية السليمة، وأنها تعطيهم مفتاحًا إلى العمل العام الناجح.
ولو أنت استعرضت أسماء الوزراء والساسة الذين ملأوا حياتنا العامة فى مرحلة ما قبل ١٩٥٢، فسوف تكتشف أنهم فى غالبيتهم درسوا القانون، وأنهم فى كثرتهم مروا على كليات الحقوق، وأنهم درسوا فيها عن حُب، وعن رغبة، وعن غرام بمواد الدراسة فيها.. فكان لهم ثم لنا ما كان.. فلم يكونوا كطلاب أيامنا يهربون إلى كليات الحقوق بمجموعهم القليل، ومع المجموع القليل طموح فى الحياة لا يتجاوز حدود موظف الحكومة الخامل!
يرحم الله الرجل.. وأيام الرجل.