بقلم:خالد منتصر
أن تحول الكتابة الأكاديمية إلى وجبة سهلة الهضم، هذه أصعب المعادلات التى يتصدى لفك شفرتها أى كاتب، هذا ما فعلته الناقدة، أو بالأصح الأديبة المتخفية فى ثوب الناقد، ففى كتابها «سرديات الحروب والنزاعات»، الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، استطاعت بأسلوب آسر، وبما يمكن أن أسميه دهاء لغوى، وذكاء بلاغى، أن تتصدى لدراسة عميقة ومركبة عن موضوع غاية فى الصعوبة والتعقيد، وهو أدب الحرب، خاصة فى الرواية العربية، تبدأ من سؤال مهم، وهو: هل أدب الحرب هو الأدب الذى يرصد ما يحدث على جبهة القتال فقط؟، هل هو مجرد وقائع عسكرية؟، منذ ملاحم هوميروس والتى بالصدفة شاهدنا فيلماً أثار الجدل حول هذا النوع من الأدب.
وهو الأوديسة، وجدنا أن إجابة د. أمانى هى التى ستحسم لنا الجدل، إنه أدب إنسانى بالضرورة، وهذا هو مفتاح فهمنا للكتاب، ولذلك النوع من الأدب، السؤال الثانى هو: لماذا الرواية هى أفضل الوسائط للتعبير عن الحرب؟، وتؤكد أنه عنصر المساحة، والتعددية اللغوية وتعدد وجهات النظر، ثم تدلف مؤلفة الكتاب إلى موضوع خصوصية هذا النوع من الأدب، وتجد فيه، فى أحيان كثيرة، عكس ما نتوقع، فعلاً تحريضياً على الحياة، وبنظرة نقدية ثاقبة ولمّاحة، تدهشنا د. أمانى كما هو الحال فى كل فصول الكتاب، بنظرتها البكر الطازجة لروايات الحرب، فنحن نتصور الطل المغوار، الفارس الذى لا يقهر، لكنها تلمح خلف السطور ظاهرة اللابطل، الشبحى أحياناً.
خاصة فى روايات تعدد الأصوات، سرديات حروب أبطالها هم احتمالات طائشة مبتورة، ومن البطل إلى الراوى، الذى تحدد له عدة وظائف فى الرواية، منها الوظيفة الفنية الجمالية، ومنها الوظيفة التأصيلية، منها الراوى المشارك، والراوى المتعدد، الراوى الخارجى، والداخلى، ثم فى فصل آخر تواصل المؤلفة طرح أسئلتها المحركة للبحيرة الراكدة، هل أدب الحرب هو عودة للرواية الواقعية؟، الإجابة تعتمد على تعريف الواقع ومفهومنا عنه، فالواقع ليس كياناً متكلساً كما نتخيل، تنتقل د. أمانى من المضمون ومناقشته إلى الشكل، فالرواية ليست حكاية يسردها مغنى ملاحم فى مقهى، لكنها بناء لغوى متماسك، له قواعد فى اللغة والزمان والمكان، وتسرد أنواع الزمن فى أدب الحرب، الزمن الخطى، والمتشظى، واللحظى... إلخ.
أما اللغة التى هى حجر البناء الروائى، فهى فى أدب الحرب، إما لغة ساخطة تعبر عن الغضب والخوف، وأحياناً تكون تقريرية، أو مجازية، تعتمد د. أمانى فؤاد على حوالى ٥٢ رواية، من كافة أرجاء البلاد العربية، وظلت حوالى ثمانى سنوات لتنجز تلك الدراسة المهمة التى لا يكفيها مقال واحد أو حتى جريدة كاملة، كل الشكر والتقدير والاحترام لمجهود الناقدة والأستاذة د. أمانى التى لا يقتصر مجهودها النقدى على التدريس أو تأليف الكتب فقط، لكنها تلتحم بكل ألوان النشاط الثقافى، داخل مصر وأيضاً خارج حدودها، اقتناء تلك الدراسة مهم لكل من يريد أن يفهم ما هو أدب الحرب، وكيف تناولته الرواية العربية.