«مصنع السحاب» خطيئةٌ اسمُها «الوعى»

«مصنع السحاب»... خطيئةٌ اسمُها «الوعى»

«مصنع السحاب»... خطيئةٌ اسمُها «الوعى»

 صوت الإمارات -

«مصنع السحاب» خطيئةٌ اسمُها «الوعى»

بقلم: فاطمة ناعوت

السحابُ، أكثرُ عناصر الطبيعة مراوغةً. لا يُمتلَكُ. ولا يسمح لعين بالقبض عليه فى شكل واحد. يتشكّل، يتشظّى، يتبدّد، ولا يموت، بل ينبعث فى هيئات جديدة. وهذا ما يجعله أقرب الأشياء إلى الوعى الإنسانى؛ فكلاهما لا يكفُّ عن إعادة تشكيل العالم، على نحو عصى على الثبات. السحابُ لا يفرضُ معنى، بل يستدرجه من الناظر إليه.

طفلُ الرواية يصدق أن مصنع أبيه يصنع السحاب. وعندما يكبر يكتشف أنه يُنتجُ القنابل العنقودية. هنا يسقط تعريف العالم فى عينيه، حين يكتشف أن الحياة شاركت فى صنع أوهامه. البراءةُ هى السحاب السمائى المدهش، وحين أطلّت المعرفةُ برأسها، تبخر السحاب، وبقى الدخان. فقرر الانتقام من «المصنع» الذى حوّل البراءة إلى معرفة، والحياةَ إلى موت. وليس أشد انتقامًا من أن تجعل عدوّك نفسه، أداةَ انتقام. فجعل آخرين يعيدون رحلته: يبدأون بسحاب الطفولة، وينتهون بدخان الحقيقة.

لعنة الإنسان الأولى هى إدراك الموت. كان آدم يعيش فى الجنّة سعيدًا، وبعد المعرفة، أدرك حتمية موته. منذئذ، صار الإنسانُ الكائنَ الأوحد الذى يعرف أنه منذورٌ للموت. فغدا هذا اليقين عبئًا ثقيلا يحمله فوق كتفيه طوال حياته. الموتُ ليس لعنةَ الإنسان، بل الوعيُ بالموت. فالأشجار تموت، والعصافير تموت، لكنها لا تعيش رعب النهاية قبل وقوعها. أما الإنسان، فمنذ التقط الثمرة المحرمة، يسير فى الأرض حاملًا نعشه فوق ظهره، وتلك عقوبته البرومثيوسية الأبدية.

الدكتور «حامد عبد الصمد» لا يتكلم فى رواية «مصنع السحاب» عن مكان سريّ يقصده الناسُ لينالوا الموت طواعيةً، بل عن ذلك المصنع الخفى الذى نخبئه جميعًا فى رؤوسنا. هناك، تُصنع الغيومُ التى تحجب عنا العالم؛ غيوم الجهل، والخوف، والفقد، والأحلام الموءودة. فالإنسان لا ينتحر بسبب ما حدث له، بل بسبب ما لم يحدث. لم يحب كما أراد. لم يصبح ما حلُم به. لم يقل الكلمة التى كان يجب قولها. لم يعش الحياةَ الينبغى.

ولهذا، فإن أعظم ما فى الرواية أنها تجعل القارئ يغلق الصفحة الأخيرة وهو أقل انشغالًا بسؤال: لماذا يموت الإنسان؟ وأكثر انشغالًا بسؤال أشد وجعًا: هل عشنا حياةً جديرة أن تُعاش؟ هذه الرواية ليست عن الانتحار والموت، كما رُوِّج لها، بل عن «الوعى». وعى الطفل الذى نضج ليدرك أن ما يتصاعدُ من مداخن المصنع ليست غيوم السحاب اللطيفة، بل هى نفايات صناعة الموت. لهذا، حينما نضج وصار رجلا، قرر الانتقام من «وهم الطفولة»، بجعل وعيه الجديد جلادًا للواهمين. فتح بابه للذين عاشوا حيواتهم فى أوهام مماثلة، لكى يوقّعوا عقد الموت الرحيم، بكامل إرادتهم، بعدما يقدّمون اعترافاتهم آمام مرايا ضمائرهم ليكشفوا علنًا، ويكتشفوا، أوهامَهم التى عاشوها. وحين يدركونها، ويكتملُ الوعيُ، تكون لحظة الموت قد حانت، حتى قبل حقنة الراحة الأخيرة. ولكى تكتمل اللعبة، يجعلهم، عمّالا فى مصنعه، يعيشون أيامهم المتبقية فى عدّ كرات معدنية على نحو آلى، فى استعارة لصورة الوجود الإنسانى العبثى، الذى يذكّرنا بأسطورة سيزيف والحجر الساقط من أعلى الجبل. فالمصنع، أى مصنع، لا ينتج إلا المتشابه. خطوط إنتاج تُخرج نسخًا مكررة لا تعرف الفرادة. بينما السحاب هو أكثر الموجودات عصيانًا على التكرار؛ لا غيمة تشبه أخرى، ولا شكل يدوم إلا لحظةً. ولهذا فالطفلُ الذى صار مديرًا للمصنع، ينتقم من أوهام طفولته بأن ينزع عن ضحاياه «فرادة» السحاب، ليصيروا «تكرارات» كرات المعدن. تلك فاتورة المعرفة، التى على الإنسان دفعها، لحظة استلام: «الوعى».


فلسفة الرواية تقول إن الإنسان لا ينتحر بسبب ما حدث له، بل بسبب الوعى بما لم يحدث. لهذا، لا يصل أبطالُ الرواية إلى المصنع بأجساد منهكة، بل بضمائر مثقلة بالحزن على ما فاتهم. يمنحهم مدير المصنع وقتًا للاعتراف، ومراجعة ذواتهم، حتى إن بعضهم يستعيد الرغبة فى الحياة. ولكن باب المصنع يكون قد أوصد. فالباب يُفتح فقط للدخول، ولا يسمح بالخروج إلا للفناء. هكذا تنصُّ بنودُ العقد. لكن المصنع يمنحهم فرصة الحياة، افتراضيًّا، بعد موتهم. فتظلُّ صفحاتُهم تنشر الصور والفيديوهات، بل يظلون يتواصلون مع أصدقائهم، بعد رحيلهم، لكيلا يسقط الموتى من دفاتر الحياة. وهكذا يحقق المدير، طفل الأمس، ذروة الانتقام من وهم السحاب القديم، بأن يجعل «الوهم» بطلَ الحياة «الأوحد». فموتاه الذين قُبِروا، أحياءٌ على صفحات الوهم الاجتماعى. وما أشبه ذلك بحياتنا الراهنة، حين نتحول إلى نسخ رقمية، لا تحيا.

الرواية لا تدعونا إلى كراهة الوعى، بل إلى إدراك ثمنه. فالبراءة هبةٌ لا يملك الإنسان استعادتها، والمعرفةُ بابٌ لا يُغلق، إذا ما فُتح.

مقامُ السؤال:

هل السعادةُ فى المعرفة أم فى أوهام الطفولة؟ لو خُيِّرتَ بين براءةٍ لا تعرف، ووعىٍ لا يُحتمل، أيهما تختار؟

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«مصنع السحاب» خطيئةٌ اسمُها «الوعى» «مصنع السحاب» خطيئةٌ اسمُها «الوعى»



GMT 01:36 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

رسّام الغموض

GMT 01:35 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

ملوخية ودِمعة ورز

GMT 01:34 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

الذكاء والخوف المبرر (1)

GMT 01:33 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانيا.. للخلف دُر

GMT 01:32 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

هيّا يا همّام... تقدّم للأمام

GMT 01:31 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

من يقدم طوق النجاة؟

GMT 01:30 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

تطعيم سرطان عنق الرحم.. حماية وأمان

GMT 01:29 2026 الجمعة ,09 تشرين الأول / أكتوبر

«نجيب محفوظ».. تاجٌ ونصلٌ.. وخلود

إطلالات وردية ملهمة من فالنتينو تزامناً مع شهر التوعية بسرطان الثدي

باريس - صوت الإمارات
تستعيد الأوساط الموضة والجمال مجموعة من أبرز إطلالات النجمات وعاشقات الموضة بصيحة اللون الوردي الأحادية المشهورة بتوقيع دار الأزياء العالمية فالنتينو، وذلك بالتزامن مع فعاليات شهر "أكتوبر الوردي" المخصص للتوعية بمرض سرطان الثدي ودعم المحاربات حول العالم. وتعود هذه الصيحة البارزة التي أطلقتها الدار العالمية في سبتمبر عام 2022 تحت اسم "PP Pink" لتمنح النساء أفكاراً تنسيقية فخمة ومبتكرة تعتمد على المظهر المونوكروم باللون الوردي الفاقع. وتألقت النجمة ياسمين صبري بتلك الصيحة خلال إحدى المناسبات الخاصة بالموضة، حيث ارتدت فستاناً طويلاً باللون الزهري تميز بياقة ضيقة وأكمام قصيرة وقصة محددة عند الخصر يتخللها شق جانبي، وأكملت المظهر بحذاء وردي بكعب عالٍ وجوارب وحقيبة يد بنفس اللون. كما ظهرت عارضة الأزياء جيجي حديد بإطلال...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 14:50 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

حافظ على رباطة جأشك حتى لو تعرضت للاستفزاز

GMT 06:20 2019 الخميس ,10 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل 5 جزر في العالم لقضاء أجمل الأوقات
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates