السعودية الوضوح والمواجهة ضد التطرف

السعودية... الوضوح والمواجهة ضد التطرف

السعودية... الوضوح والمواجهة ضد التطرف

 صوت الإمارات -

السعودية الوضوح والمواجهة ضد التطرف

يوسف الديني
بقلم : يوسف الديني

في عالمٍ تسودُه الفوضى وأنصافُ الحلول، برزتِ المملكة العربية السعودية قوةً رائدةً واجهتِ الإرهاب والفكرَ المتطرف بوصفه خطراً وجودياً، وليس ظاهرة عابرة يمكن إدارتها أو احتواؤها. وقد كان الأمير محمد بن سلمان تحديداً القائدَ الذي حسم هذا التعاطي منذ اللحظة الأولى، مستخدماً لغة غير مسبوقة قبله في العالم الإسلامي: «قطيعة كاملة مع التطرف، وتدمير فوري للفكر المتطرف، ولا عودة إلى الوراء». لم تكن هذه الكلمات خطاباً سياسياً، بل كانت إعلاناً لقرار سيادي تأسيسي أعادَ تعريفَ طبيعة المعركة وحدودها؛ إذ قال ولي العهد بوضوح: «لن نضيعَ 30 سنة من حياتنا في التعامل مع أي أفكار متطرفة، سوف ندمّرهم اليوم وفوراً». ومن يتخذ هذا الموقف الجذري في لحظة الصعود الأولى، لا يمكن إلا أن يمضيَ فيه حتماً وهو في أوج مجده، لأنَّ المسار لم يكن مناورة مرحلية ولا استجابة ظرفية لضغط خارجي، بل كان خياراً استثنائياً يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الدولة السعودية ومكانتها الدينية والسياسية وأيضاً معركتها المبكرة مع التطرف.

منذ التأسيس واجهت السعودية انشقاقَ «إخوان من طاع الله» الذين تمرّدوا على الملك المؤسس عبد العزيز باسم تأويل متشدد للدين ورفضوا مفهوم الدولة الحديثة، فكان الحسم في معركة السبلة عام 1929 تأكيداً مبكراً أن الشرعية لا تُبنى على العقيدة المنفلتة بل على النظام والاستقرار. ثم جاءت صدمة جهيمان عام 1979 حين استهدف أقدس بقاع الأرض، في لحظة كشفت عن أن التطرف والغلو لا يحترمان حتى المقدسات، وأنَّ المملكة قِبلة الإسلام وأرض الحرمين ومهبط الوحي بكل هذه الرمزية ظلت هدفاً لكل الآيديولوجيات المتطرفة، لأنَّها كانت تستهدف قلب الشرعية الدينية الممثلة للإسلام المعتدل أو المجسّد في دولة دستورها الأساسي الكتاب والسنة.

بعد ذلك فجّرت حرب الخليج موجة جديدة من التشدد خرجت منها سرديات «الصحوة» وتنظيم «القاعدة»، الذي شنّ حرباً إرهابية مباشرة على المملكة منذ منتصف التسعينات وبلغ ذروته بين 2003 و2005. الرد السعودي كان شاملاً وحاسماً؛ إذ أُحبط نحو 160 مخططاً إرهابياً خلال سنوات قليلة، وتراجعت العمليات الكبرى من عشرات الهجمات إلى حالات نادرة، في واحدة من أنجح حملات مكافحة الإرهاب عالمياً. ثم واجهت المملكة تهديد «داعش» بعد 2014، وأحبطت خلاياه داخلياً ومنعت عمليات نوعية بينها مخطط لاستهداف الحرم المكي عام 2017، في وقت كانت فيه دول عديدة تعاني من انهيارات أمنية حادة. وفي ذروة الربيع العربي، اتخذت السعودية قراراً استباقياً غير مسبوق بتجريم تنظيمات الإسلام السياسي وتصنيف جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية عام 2014، في وقت كانت فيه قوى كبرى لا تزال مترددة أو متساهلة في التعامل مع هذه التنظيمات، وبعد مرور أكثر من عقد، لا تزال تلك القوى عاجزة عن اتخاذ موقف يقترب من مستوى الحسم السعودي. هذا القرار المبكر لم يكن أمنياً فقط، بل قراءة سياسية عميقة ترى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في السلاح وحده، بل في الآيديولوجيا التي تُفرغ الدولة من معناها وتُعيد إنتاج الفوضى باسم الشرعية والدين.

عند هذه النقطة، ومع تولي الأمير محمد بن سلمان ولاية العهد عام 2017، انتقلتِ المواجهة من إدارة الخطر إلى اجتثاثه، ومن ردّة الفعل إلى الفعل المبادر، ومن الاكتفاء بإدارة المؤسسات إلى إعادة تشكيلها وضخ دماء جديدة فيها، خصوصاً في القطاعات الأمنية والثقافية، ورفع الجهد الأمني إلى مستوى مختلف لا يكتفي بالعقاب بعد وقوع الجريمة، بل يعمل على الفهم المبكر، والتحليل العميق للظاهرة، وربطها بسياقاتها الاجتماعية والفكرية والاقتصادية، والتعامل معها قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي. هنا يمكن فهم شخصية ولي العهد في ضوء ما وصفه ماكس فيبر بالقائد الاستثنائي الذي يظهر في لحظة استثنائية، لا ليكسر الواقع القائم فحسب، بل ليعيد بناءه على أسس جديدة. فالمسألة لم تكن مجرد تحسين أدوات الدولة، بل إعادة تعريف لوظيفتها ودورها، واعتبار أن أخطر ما فعله الإرهاب ليس القتل وحده، بل تشويه الإسلام ذاته، وهو ما عبّر عنه ولي العهد بقوله: «لن نسمح بما قاموا به من تشويه لعقيدتنا السمحة... سنلاحق الإرهاب حتى يختفي تماماً من وجه الأرض». وترافقت هذه الرؤية مع إصلاحات اجتماعية وثقافية عميقة أعادت التوازن والوسطية وجففتِ البيئة الحاضنة للتطرف، ومع تعزيز واسع للتعاون الدولي في تبادل المعلومات وتتبع التمويل، وقيادة تحالفات إسلامية ودولية لمحاربة الإرهاب، لتتحول السعودية من دولة مستهدفة إلى فاعل مركزي في أمن المنطقة والعالم. اليوم، وبشهادة تقارير أمنية وأبحاث أكاديمية غربية، تُعد التجربة السعودية من أنجح التجارب في تقليص التهديد الإرهابي داخلياً، لا بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء المجال الديني والاجتماعي والسياسي. ومع تراكم هذه الإنجازات، تقترب المملكة فعلياً من تحقيق معادلة الصفر مع الإرهاب داخل أراضيها، بعد أن حسمت خيارها الوجودي بوضوح: لا تطرف، ولا مساومة. إنها ليست سياسة قابلة للمراجعة، بل مسار تأسيسي تقوده قيادة حاسمة، وتمضي فيه السعودية حتماً بلا رجعة، بوصفه أحد أعمدة بقائها واستقرارها ودورها في العالم الإسلامي والعالم.

خلاصة القول أنَّ السعودية اختارت في كل مراحلها التاريخية الوضوح والمواجهة، لكن برؤية محمد بن سلمان ارتقت للحسم، وحوّلت المعركة ضد الفكر المتطرف والإرهاب إلى قرار وجودي: نكون... أو لا نكون.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية الوضوح والمواجهة ضد التطرف السعودية الوضوح والمواجهة ضد التطرف



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - صوت الإمارات
سجّلت النجمات السوريات حضوراً لافتاً في حفل Joy Awards 2026، حيث تحولت السجادة البنفسجية إلى مساحة استعراض للأناقة الراقية والذوق الرفيع، في مشاركة حملت رسائل فنية وجمالية عكست مكانة الدراما السورية عربياً. وتنوّعت الإطلالات بين التصاميم العالمية الفاخرة والابتكارات الجريئة، في مزيج جمع بين الكلاسيكية والعصرية، وبين الفخامة والأنوثة. كاريس بشار خطفت الأنظار بإطلالة مخملية باللون الأخضر الزمردي، جاءت بقصة حورية أبرزت رشاقتها، وتزينت بتفاصيل جانبية دقيقة منحت الفستان طابعاً ملكياً. واكتملت إطلالتها بمجوهرات فاخرة ولمسات جمالية اعتمدت على مكياج سموكي وتسريحة شعر كلاسيكية مرفوعة، لتحتفل بفوزها بجائزة أفضل ممثلة عربية بحضور واثق وأنيق. بدورها، أطلت نور علي بفستان كلوش داكن بتصميم أنثوي مستوحى من فساتين الأميرات، تميز بقصة مكش...المزيد

GMT 22:14 2020 الثلاثاء ,10 آذار/ مارس

حصنوا أنفسكم

GMT 02:27 2020 الخميس ,13 آب / أغسطس

توقعات برج الاسد خلال شهر آب / أغسطس 2020

GMT 19:50 2019 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

جوجل توقف طرح المتصفح كروم بسبب خلل

GMT 05:07 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

"مزيكا" تطرح برومو "انا الاصلي" لأحمد سعد

GMT 09:44 2016 الثلاثاء ,01 آذار/ مارس

أحذية الكريبر لإطلالة عصرية في صيف 2016

GMT 14:30 2016 السبت ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

مكياج عيون الغزال لإطلالة مثيرة وجذابه

GMT 05:50 2020 الثلاثاء ,07 تموز / يوليو

تامر حسني في كواليس «طلقتك نفسي»

GMT 18:35 2019 الأحد ,04 آب / أغسطس

تعرف على نسب مبيعات سيارة رام 1500

GMT 15:53 2015 الأحد ,11 تشرين الأول / أكتوبر

انقرة تبدأ بتشييع ضحايا الهجوم الدموي الأحد

GMT 09:56 2016 الأربعاء ,09 آذار/ مارس

أمطار وبرق ورعد على أنحاء متفرقة من الدولة

GMT 19:49 2016 السبت ,09 كانون الثاني / يناير

انخفاض درجات الحرارة في السعودية السبت

GMT 18:20 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

البابا فرانسيس يؤكد ضرورة منح الفرصة للمهاجرين للاندماج

GMT 17:46 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

"خيرية الشارقة" تنظم حملة تيسير عمرة

GMT 14:45 2017 الخميس ,06 إبريل / نيسان

الكشف عن الفوائد الصحية المهمة للنوم عاريًا
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates