ذكاء يفوق الاحتمال

ذكاء يفوق الاحتمال

ذكاء يفوق الاحتمال

 صوت الإمارات -

ذكاء يفوق الاحتمال

بقلم - سوسن الأبطح

«السرقة» و«المراوغة»، هما ملح التطور، بالنسبة للشركات التكنولوجية؛ ومن دون هذين العنصرين الأساسيين لا يمكنها أن تتنافس، أو يتخطى بعضها بعضاً.

من يتابع برامج الذكاء الاصطناعي التي تقدم خدماتها المذهلة للجماهير العريضة، يلاحظ أنها خلال الأشهر الأخيرة، حققت توثبات هائلة. هكذا أصبحت الترجمة إلى العربية لا تقاس بما كانت عليه، والإجابات عن الاستفسارات وافية، واللغة المستخدمة مقبولة، وخفت الخوف من الخوض في بعض المواضيع الحساسة.

السرّ في التوليدية، حيث إن الآلات التي تمنح المعلومات باتت قادرة على القياس والتحليل والإتيان بنتائج أسرع من البرق. وكلما زادت كمية المعلومات، وتطورت قدرة البرامج على الاستنباط، أتتك بما هو أفضل.

وضع «إكس» خدمة «غروك» حديثاً، في خدمة الجميع، بعد أن كانت حكراً على فئة. يستطيع البرنامج، أن يجيب عن أسئلتك، يحول أي نص تقترحه إلى صورة، يركب لك بصرياً المشهد الذي تتمناه، يكتب لك قصة، يحلل معلومة. إنه الكائن السحري الذي يخرج من الفانوس ليحقق أحلامك. لكن لا شيء يأتي من عدم. وما يقدمه هو خلاصة ما جمعه، مما كتبه أمثالك، على مدى سنوات على الموقع، ومواقع أخرى يتعاون معها.

حين تسأله: «من أين تأتينا بالإجابات؟». لا ينكر «غروك» أنه استثمر في البيانات، ويدافع عن نفسه، بأن من لا يرغب، فما عليه سوى تغيير الإعدادات. أما المنشورات المفتوحة، فهي مباحة للجميع. أي إنه لتركيب لوحة، يقتطع يداً من هنا، ورأساً من فنان آخر، وفضاء من ثالث، ويفعل ما يشاء.

المعضلة ليست في أن البرامج الذكية، تحلل قدراً من البيانات وفيراً، لا يحدّه عقل إنسان، في لحظة من الثانية، وإنما في أنها تستفيد من أسئلتك، وتستدرجك لتجعلك تبوح بما لا يجوز أن تفعل، لأنك تشعر تجاه الآلة بشيء من الحميمية، أو أنك تتعامل مع كائن محايد، ولكنها ليست كذلك. حين يجيبك برنامج «تشات جي بي تي» عن سؤال، فهو غالباً ما ينهي كلامه بسؤالك عن رأيك في الموضوع؟ أو إذا كنت تعرف شيئاً آخر، قبل أن يختم بأنه موجود هنا لخدمتك.

ولما استفزني استدراجه المستمر، قلت له: «أنت تسأل كمن يعمل في جهاز مخابرات». أجاب بكل لياقة: «أنا أسال، كي أؤمّن لك خدمات أفضل في المرات المقبلة. وإن كنت تخشين على بياناتك، فما عليك سوى قراءة الفقرات الخاصة بالخصوصية لأخذ احتياطاتك».

هذه الحجج تشتكي منها المحاكم، التي تحاول الحد من نفوذ الشركات التكنولوجية الأخطبوطية، وتصطدم بالعبارات المنمقة المتحايلة نفسها.

قبل أيام أصدرت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية، تقريراً رسمياً، اتهمت فيه الشركات التقنية التسع الكبرى، مثل «غوغل» و«أمازون» و«ميتا» و«إكس»، بأنها تراقب، وتجمع بيانات مستخدميها، وتسرقها بهدف كسب المليارات كل سنة. ليس ذلك فحسب، بل إن الشركات غضت الطرف عن مستخدمين أطفالاً ومراهقين، وجمعت معلوماتهم واستفادت منها.

وبما أن الجميع يتهرب من مواجهة الحقيقة، فقد قالت اللجنة، إن الشركات «فشلت» في حذف البيانات واحتفظت بها لفترات طويلة جداً، كيلا تتهمها بارتكاب خطاياها عن سوء نية. لكن الشركات أيضاً تكذب، وتتحايل وتتهرب، بالطريقة نفسها التي تتبعها للتخلص من دفع الضرائب.

الذكاء الاصطناعي، بعضنا صار يعده رفيقه ومستشاره، ومترجمه، وحالّ مشكلاته. لذا فإن التطبيق الذي تلجأ إليه، يعرف عنك أكثر من أقرب الناس، الذين قد لا تسرّ لهم بكل ما يجول في خاطرك، وقد لا تسألهم عما تنوي فعله.

كنا نشتكي من المتاجرة بالمعلومات، والتلاعب السياسي وبث الفوضى الاجتماعية، وهذا أصبح من المسلمات، وخضعنا له خانعين، لكن الأمر بات دخولاً إلى حياتنا الحميمة، واختراقاً لخوالجنا، وما يدور في خواطرنا.

لكن، ماذا سيحدث، بعد أن تُعتمد البرامج الذكية بشكل واسع لكتابة النصوص الأدبية، وتدبيج المقالات، ورسم اللوحات الإبداعية، وسطر السيناريوهات السينمائية، وتركيب الصور، وتصميم الديكورات، وحل المسائل الحسابية المعقدة، ووضع المؤثرات الصوتية والبصرية، وتركيب مشاهد الأفلام، وقيادة السيارات. وتصير تفتح لنا الباب وتشغّل المكيف، وتسخن الطعام، ما إن نأمرها بذلك. أي إحباط سيسكننا، وأي شعور بالعجز واللاجدوى!

لوقت قريب جداً، كان الظن أن الآلة لا يمكن أن تبلغ ذكاء البشري وفطنته الإبداعية، لكن بعد شهور من القفزات المتوالية، بات علينا أن نفكّر جدياً بدور الإنسان الجديد، وكينونته ومغزى وجوده.

وباعتراف صديقنا الجديد «غروك»، فإن هذه الثورات التكنولوجية الكبرى، لا بد أنها ستتسبب في تحولات سياسية غير منظورة، بسبب فقدان عشرات الألوف أعمالهم، وتغير الديناميكيات الاقتصادية. ولن تبقى العمليات الانتخابية على ما هي عليه، بعد تحقق القدرة على تحليل البيانات، والتنبؤ بخيارات الناخبين المستقبلية.

ما سيأتي ليس من صنع البشر، وتحت سيطرة خططهم المحكمة، بل بفعل تدحرج سريع، تتسبب به التكنولوجيا في أكثر من مجال، وسيؤدي بالجميع إلى حيث لم نكن ننتظر.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ذكاء يفوق الاحتمال ذكاء يفوق الاحتمال



GMT 01:24 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

أجمل هدف لم يأتِ فى الدورى!

GMT 01:22 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

مشهد رخيص من موسكو

GMT 01:20 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

كروان السينما «المُلك لك لك لك»

GMT 01:17 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سنة أولى برلمان

GMT 01:15 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

جنوب لبنان بين الإسناد والسند

GMT 01:13 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

السيادة الوطنية... مبدأ تحت الحصار

GMT 01:11 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

عبد الرحمن الراشد... ومشروع «النَّاصرية»

GMT 01:08 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

البيت الأبيض وامتياز التفاوض

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - صوت الإمارات
مع تراجع الألوان الصاخبة في بعض اختيارات الموضة، يبرز تنسيق الأبيض والأسود كأحد أكثر الأساليب أناقة وثباتاً عبر المواسم، حيث يجمع بين البساطة والرقي في آن واحد. هذا المزيج الكلاسيكي لا يفقد جاذبيته، بل يتجدد بأساليب عصرية تناسب الإطلالات اليومية والمسائية، وقد برزت الفاشينيستا ديما الأسدي كواحدة من أبرز من اعتمدن هذا التوجه مؤخراً، مقدمة تنسيقات متنوعة تعكس ذوقاً راقياً يجمع بين الهدوء والتميز. في أحدث ظهور لها، تألقت ديما الأسدي بفستان أسود أنثوي مزين بنقاط البولكا البيضاء، جاء بتصميم كورسيه يحدد الخصر مع ياقة قلب وحمالات عريضة، وانسدل بأسلوب منفوش غني بالثنيات حتى أعلى الكاحل، ونسقت معه حذاء أبيض مدبب وحقيبة يد متناغمة، مع اعتماد تسريحة شعر ويفي منسدلة وأقراط مرصعة دون عقد، لتقدم إطلالة كلاسيكية ناعمة. وفي الإطلالات...المزيد

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 00:00 1970 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

 صوت الإمارات -

GMT 21:20 2012 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

فلنتعلم من الطبيعة

GMT 20:48 2025 الأربعاء ,02 إبريل / نيسان

زلزال بقوة 5.2 ريختر يضرب أيسلندا

GMT 05:19 2018 الثلاثاء ,07 آب / أغسطس

منتجع توجال في طهران ملاذ عشاق ممارسة التزلج

GMT 23:46 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سيلتا فيغو يرد رسميًا على اتهام لاعبه ياغو أسباس بالعنصرية

GMT 11:24 2016 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

رواية "جبل الطير" حافلة بأسرار الروح والتاريخ والواقع

GMT 15:58 2013 الأحد ,15 أيلول / سبتمبر

وجدي الكومي يوقع "سبع محاولات للقفز فوق السور"

GMT 11:26 2017 الإثنين ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

أنس الزنيتي يرغب أن يفوز فريقه بسباق الدوري المغربي

GMT 14:26 2017 السبت ,18 شباط / فبراير

لوتي موس تظهر في فستان وردي قصير

GMT 02:10 2020 الثلاثاء ,29 كانون الأول / ديسمبر

مارادونا وكوبي براينت أبرز نجوم الرياضة المفارقين في 2020
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice emiratesvoice emiratesvoice
emiratesvoice
Pearl Bldg.4th floor
4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh
Beirut- Lebanon.
emirates , Emirates , Emirates